تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 687

مساهمون:

ص٦٨٧
بل يراهما آلتين مسخرتين وواسطتين فقد صار موقنا بالمعنى الثاني ، وهو الأشرف وهو ثمرة اليقين الأول وروحه وفائدته ، ومهما تحقق أن الشمس والقمر والنجوم والجماد والنبات والحيوان وكل مخلوق فهي مسخرات بأمره حسب تسخير القلم في يد الكاتب ، وان القدرة الأزلية هي المصدر للكل استولى على قلبه غلبة التوكل والرضا والتسليم ، وصار موقنا بريئا من الغضب والحقد والحسد وسوء الخلق ، فهذا أحد أبواب اليقين . ومن ذلك الثقة بضمان اللّه سبحانه بالرزق في قوله تعالى :
( وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها )
[ هود : 6 ] واليقين بان ذلك يأتيه وإن ما قدر له سيساق إليه ، ومهما غلب ذلك على قلبه كان مجملا في الطلب ولم يشتد حرصه وشرهه وتأسفه على ما فاته ، وأثمر هذا اليقين أيضا جملة من الطاعات والأخلاق الحميدة . ومن ذلك : أن يغلب على قلبه أن من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال
شرح
يشكر القلم ولا اليد ) ان أحسن إليه بسببهما ( ولا يغضب عليهما ) إن لم يحسن إليه ، ( بل يراهما آلتين وواسطتين ) فإذا انصبغ بهذا المقام ( فقد صار موقنا بالمعنى الثاني ) من المعنيين . ( وهذا ) المقام ( هو الأشرف ) في مقامات اليقين ( وهو ثمرة اليقين الأوّل ) وخلاصته ( وروحه وفائدته ) وقوامه ، ( ومهما تحقق أن الشمس والقمر والنجوم و ) كذلك ( الجماد والنبات والحيوان وكل مخلوق ) للّه تعالى ( فهي مسخرات ) مذللات ( بأمره حسب تسخير القلم في يد الكاتب وأن القدرة الأزلية هي المصدر للكل ) منها بدت وإليها تعود ( استولى عليه ) نور مقامات اليقين ( التوكل والرضا والتسليم ) ، وهذه الثلاثة من مقامات اليقين التسعة على ما يأتي بيانها في مواضعها ، ( وصار يأمن الغضب والحقد والحسد وسوء الخلق ) وغيرهما من الاخلاق المذمومة . ( فهذا أحد أبواب اليقين . ومن ذلك الثقة ) أي الوثوق ( فضمان اللّه سبحانه وتعالى بالرزق ) أي أنه ضامن وكفيل بايصال الرزق إليه ( في قوله تعالى :( وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها )[ هود : 6 ] فيتحقق أنه دابة من جملة الدواب بالمعنى اللغوي ، ( واليقين ) فيه ( بأن ذلك يأتيه ) البتة ( وأن ما قدر له ) في الأزل ( يساق إليه ومهما غلب ذلك على قلبه ) واستولاه ( كان مجملا في الطلب ) أي كان طلبه في الرزق بطريق جميل ، ومنه الحديث « فأجملوا في الطلب » ( ولم يشتد حرصه وشرهه ) وهو أشد الطمع ( وتأسفه ) أي تحزنه ( على ما فاته ) من رزق معلوم ، ( وأثمر هذا اليقين أيضا جملة من الطاعات ) والعبادات ( والأخلاق الحميدة ) والأوصاف الزكية . ( ومن ذلك ) أي من ثمرات اليقين ( أن يغلب على قلبه أن( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ )[ الزلزلة : 7 ؛ 8 ] وهو اليقين بالثواب
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 687 | مرتضى الزبيدي