من ذلك . قال أحمد بن حنبل : كان يزيد بن هارون يكتب عن الرجل ويعلم أنه ضعيف ، وكان له ذكاء وعلم بالحديث . وقال إسحاق بن راهويه ، قيل لأحمد : هذه الفوائد التي فيها المناكير ترى أن يكتب الجيد منها . فقال : المنكر أبدا منكر . قيل : فالضعفاء قال يحتاج إليهم في وقت كأنه لم ير بالكتابة عنهم بأسا . وقال أبو بكر المروزي عنه : أن الحديث عن الضعفاء قد يحتاج إليه ، ومما يدلك على مذهبه في التوسعة أنه أخرج حديثه كله في المسند المأثور عنه ولم يعتبر الصحيح منه ، وفيه أحاديث يعلم النقاد أنها ضعيفة وهو أعلم بضعفها منهم ، ثم أدخلها في مسنده لأنه أراد تخريج المسند ولم يقصد صحيح السند فاستجاز رواتها . وقد أخرج ابن الجوزي بعضا منها في الموضوعات وافقه على بعضها الحافظ العراقي في جزء لطيف ، ورد عليهما تلميذه الحافظ بن حجر ، فأوسع الكلام على تلك الأحاديث التي طعن عليها ابن الجوزي في جزء سماه ( القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد ) كلاهما عندي ، وكان الإمام أحمد قد قطع أن يحدث الناس في سنة ثمان وعشرين وتوفي سنة إحدى وأربعين ، فلم يسمع أحد منه في هذه المدة إلا ابن منيع جزأ واحدا بشفاعة جده أحمد بن منيع ويروى عنه . قال : كان عبد الرحمن ينكر الحديث ، ثم يخرج إلينا بعد في وقت فيقول : هو صحيح قد وجدته . قال : وأما وكيع فلم يكن ينكر ، ولكن كان يقول إن سئل عنه لا أحفظ ، ويروى عن ابن أخت عبد الرحمن بن مهدي قال : كان خالي قد خط عليّ أحاديث ثم صحح عليها بعد ذلك وقرأتها عليه فقلت : قد كنت خططت عليها . فقال : نعم ثم تفكرت إني إذا ضعفتها أسقطت عدالة ناقلها فإن جاثاني بين يدي اللّه تعالى وقال لي أسقطت عدالتي رأيتني سمعت كلامي لم يكن لي حجة . كان هذا مذهب الورعين من السلف . وقال بعضهم في تضعيف الرواة أن خلصت نيتك يعني أن أردت اللّه تعالى والدين بذلك لم يكن لك ولا عليك ، فهذا الذي ذكرت لك هو أصل في معرفة الحديث وهو علم لأهله وطريق هم سالكوه ، وما قصدت بذلك الإزراء ولا التنقيص لمقام أصحاب الحديث كلا واللّه بل إني محب لهم ومعتقد حسن طريقتهم ، وإنما أوسعت في الكلام ليظهر بذلك علو نظر الإمام أبي حامد وإن أكثر ما قيل فيه من جهة إيراده الأحاديث الضعيفة في كتابه غير متجه إذ مقصده جميل لا يتعدى عن حسن الظن بهؤلاء الذين رووها في كتبهم . ونقل هو عن تلك المصنفات واللّه تعالى يجعل ما كتبته خالصا لوجهه الكريم ومقربا إلى جنات النعيم آمين آمين آمين .
خاتمة الفصول في بيان الجرح والتعديل :
ومعرفة هذه المسألة مهمة . قال ابن السبكي في الطبقات في ترجمة أبي جعفر أحمد بن صالح من الطبقة الأولى من أصحاب الشافعي ما نصه : ننبهك هنا على قاعدة عظيمة في الجرح والتعديل ضرورية نافعة لا تراها في شيء من كتب الأصول .
قلت : وقد انتقيت من كلامه في هذه المسألة ما يدل على المقصود منه . قال : فإنك إذا سمعت أن الجرح مقدم على التعديل ، ورأيت الجرح والتعديل في الإنسان وكنت غرا بالأمور وقدما مقتصرا على منقول الأصول حسبت أن العمل على جرحه ، فإياك ثم إياك والحذر كل