والثاني أن يكون مؤولا قد جرح بشيء ظنه جارحا ولا يراه المجروح كذلك كاختلاف المجتهدين ، والثالث : أن يكون نقله إليه من يراه هو صادقا ونحن نراه كاذبا ، وهذا لاختلافنا في الجرح والتعديل ، فرب مجروح عند عالم معدل عند غيره فيقع الاختلاف في الإحتجاج حسب الاختلاف في تزكيته ، فلم يتعين أن يكون الحامل للجارح على الجرح مجرد التعصب والهوى حتى نجرحه بالجرح ، ومعنا أصلان نستصحبهما إلى أن نتيقن خلافهما . أصل عدالة الإمام المجروح الذي قد استقرت عظمته ، وأصل عدالة الجارح الذي ثبتت ، فلا يلتفت إلى جرحه ولا نجرحه بجرحه ، ثم قال : وقولهم إن الجرح مقدم إنما يعنون به حالة تعارض الجرح والتعديل ، فإذا تعارضا عند التجريح قدمنا الجرح لما فيه من زيادة العلم ، وتعارضهما هو استواء الظن عندهما لأن هذا شأن المتعارضين ، أما إذا لم يقع استواء الظن عندهما فلا تعارض بل العمل بأقوى الظنين من جرح أو تعديل ، وفيما نحن فيه لم يتعارضا لأن غلبة الظن بالعدالة قائمة ، وهذا كما أن عدد الجارح إذا كان أكثر قدم الجرح إجماعا لأنه لا تعارض والحالة هذه ، ولا يقول هنا أحد بتقديم التعديل لا من قال بتقديمه عند التعارض ولا غيره ، فظهر بهذا أنه ليس كل جرح مقدما ، ثم قال : ولنختم هذه القاعدة بفائدتين عظيمتين .
أحداهما : أن قولهم لا يقبل الجرح إلا مفسرا إنما هو أيضا في جرح من ثبتت عدالة صاحبه واستقرت ، فإذا أراد رافع رفعها بالجرح قيل له ائت ببرهان على هذا أو مبهم لم يعرف حاله ، ولكن ابتدأه جارحان ومزكيان فيقال إذ ذاك للجارحين فسرا ما رميتماه به ، أما من ثبت أنه مجروح فيقبل قول من أطلق جرحه لجريانه على الأصل المقرر عندنا ، ولا نطالبه بالتفسير إذ لا حاجة إلى طلبه .
والفائدة الثانية : أنا لا نطلب التفسير من كل أحد ، بل إنما نطلبه حيث يحتمل الحال شكا إما للاختلاف في الإجتهاد أو لتهمة في الجارح ، أو نحو ذلك مما لا يوجب سقوط قول الجارح ولا ينتهي إلى الاعتبار به على الإطلاق ، بل يكون بين بين أما إذا انتفت الظنون واندفعت التهم ، وكان الجارح حبرا من أحبار الأمة مبرأ عن مظان التهمة ، أو كان المجروح مشهورا بالضعف متروكا بين النقاد فلا يتلعثم عند جرحه ولا يحوج الجارح إلى تفسير بل طلب التفسير منه والحالة هذه طلب لغيبة لا حاجة إليها . هذا خلاصة ما ذكره فافهمه . فهذا ما تيسر لنا جمعه من أحواله ومشايخه ومن صحبه وروى عنه أو تفقه عليه وما يتعلق بكتابه وما اعترض عليه فيه ، والجواب عنه على قدر الامكان مع الاختصار الزائد ، وعسى إن وقفت على زيادة على ما ذكرت ألحقتها به ، وقد عن لنا أن نرخي العنان إلى المقصود الأعظم . الذي هو شرح أسرار كتابه المعظم واللّه أسال أن يوفقني لاتمامه على نهج يرتضيه أهل الحق ، ويستحسنه من كشف له على الجمع والفرق ، وإن يرزقه القبول كأصله ، وأن يوقعه موضع الرضا عند أهله ، إنه بالإجابة جدير وعلى ما يشاء قدير ، وصلى اللّه على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وأزواجه وذريته وسلم .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 72
مساهمون: مرتضى الزبيدي
ص٧٢