خالف الجارح المجروح في العقيدة فجرحه لذلك ، وقد وقع هذا لكثير من الأئمة جرحوا بناء على معتقدهم وهم المخطئون ، والمجروح مصيب وإلى هذا أشار ابن دقيق العيد في الاقتراح وقال : اعراض المسلمين حفرة من حفر النار وقف على شفيرها طائفتان من الناس المحدثون والحكام اه . ثم قال : ومن شهد على آخر وهو مخالف له في العقيدة أوجبت مخالفته له ريبة عند الحاكم المتبصر لا يجدها إذا كانت الشهادة صادرة من غير تخالف في العقيدة ، ثم المشهود به يختلف باختلاف الأغراض والأحوال ، فربما وضح غرض الشاهد على المشهود عليه ايضاحا لا يخفى على أحد ، وذلك لقربه من نص معتقده ، أو ما أشبه ذلك ، وربما دق وغمض بحيث لا يدركه إلا الفطن من الحكام ، ورب شاهد من أهل السنة ساذج قد مقت المبتدع مقتا زائدا على ما يطلبه اللّه منه وأساء الظن به إساءة أوجبت له تصديق ما يبلغه عنه ، فبلغه عنه شيء فغلب على ظنه صدقه كما قدمناه فشهد به ، فسبيل الحاكم التوقف في مثل هذا إلى أن يتبين له الحال فيه ، وسبيل الشاهد الورع ولو كان من أصلب أهل السنة أن يعرض على نفسه ما نقل له عن هذا المبتدع وقد صدقه وعزم على أن يشهد عليه به ويعرض على نفسه مثل هذا الخبر بعينه . إن لو كان عن شخص من أهل عقيدته هل كان يصدقه ، وبتقدير إن لو كان يصدقه فهل كان يبادر إلى الشهادة عليه به ، وبتقدير أنه كان يبادر فليوازن ما بين المبادرتين فإن وجدهما سواء فدونه ، وإلّا فليعلم أن حظ النفس داخله ، وأزيد من ذلك أن الشيطان استولى عليه فخيل له أن هذه قربة وقيام في نصر الحق وليعلم من هذه سبيله أنه أتى من جهل وقلة دين . هذا قولنا في سني يجرح مبتدعا فما الظن بمبتدع يجرح سنيا ؟ وفي المبتدعة زيادة لا توجد في غيرهم وهو أنهم يرون الكذب لنصرتهم ، والشهادة على من يخالفهم في العقيدة بما يسوءه في نفسه وماله بالكذب تأييدا لاعتقادهم ، ويزداد حنقهم وتقريرهم إلى اللّه بالكذب عليه بمقدار زيادته في النيل منهم ، فهؤلاء لا يحل لمسلم أن يعتبر كلامهم ، ثم قال : ومما ينبغي أن يتفقد عند الجرح أيضا حال الجارح في الخبرة بمدلولات الألفاظ ، ولا سيما العرفية التي تختلف باختلاف عرف الناس ، ويكون في بعض الأزمنة مدحا ، وفي بعضها ذما . وهذا أمر شديد لا يدركه إلا فقيه بالعلم ويعتبر أيضا حاله في العلم بالأحكام الشرعية ، فرب جاهل ظن الحلال حراما فيجرح به ، ومن هنا أوجب الفقهاء التفسير ليتضح الحال . قال صاحب البحر : حكي أن رجلا جرح رجلا وقال : أنه طين سطحه بطين استخرج من حوض السبيل .
ومما ينبغي أيضا تفقده الخلاف الواقع بين كثير من الصوفية وأصحاب الحديث ، فقد أوجب كلام بعضهم في بعض كما تكلم بعضهم في حق الحرث المحاسبي وغيره ، وهذا في الحقيقة داخل في قسم مخالفة العقائد ، والطامة الكبرى إنما هي في العقائد المثيرة للتعصب والهوى . نعم وفي المنافسات الدنيوية على حطام الدنيا ، وهذا في المتأخرين أكثر منه في المتقدمين ، وأمر العقائد سواء في الفريقين ، ثم قال لا شك ان من تكلم في إمام استقر في الأذهان عظمته ، وتناقلت الرواة ممادحه ، فقد جرّ الملام إلى نفسه ، ولكنا لا نقضي أيضا على من عرفت عدالته إذا جرح من لم يقبل منه جرحه إياه بالفسق ، بل نجوز أمورا أحدها : أن يكون واهما ومن ذا الذي لا يهم ،
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 71
مساهمون: مرتضى الزبيدي
ص٧١