الحذر من هذا الحسبان ، بل الصواب أن من ثبتت إمامته وعدالته وكثر مادحوه ومزكوه وندر جارحوه ، وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره ، فلا يلتفت إلى الجرح فيه ويعمل فيه بالعدالة ، وإلا لو فتحنا هذا الباب وأخذنا بتقديم الجرح على إطلاقه لما سلم لنا أحد من الأئمة ، إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون وهلك فيه هالكون ، وقد أشار لذلك ابن عبد البر في كتاب العلم ، واستدل أن السلف تكلم بعضهم في بعض بكلام منه ما حمل عليه التعصب والحسد ، ومنه ما دعا إليه التأويل واختلاف الإجتهاد كما لا يلزم المقول فيه ما قال القائل فيه ، وقد حمل بعضهم على بعض بالسيف تأويلا واجتهادا . قال ، ومما نقم به على يحيى بن معين وعيب به كلامه في الشافعي ، وهو لا يعرف الشافعي ، ولا يعرف ما قاله الشافعي ، ومن جهل شيئا عاداه ، وكلام ابن أبي ذئب ، وإبراهيم بن سعد ، وعبد العزيز بن أبي سلمة ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، ومحمد بن إسحاق ، وابن أبي يحيى ، وابن أبي الزناد في مالك بن أنس وعابوا عليه أشياء ، وقد برأه اللّه عز وجل عما قالوا . قال : وما مثل من تكلم في مالك والشافعي ونظائرهما إلا كما قال الأعشى :
كناطح صخرة يوما ليفلقها * فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
أو كما قال الحسن بن حميد :
يا ناطح الجبل العالي ليكلمه * أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل
ولقد أحسن أبو العتاهية حيث يقول :
ومن ذا الذي ينجو من الناس سالما * وللناس قال بالظنون وقيل
وقيل لابن المبارك فلان يتكلم في أبي حنيفة فأنشد :
حسدوك لما رأوك فضلك الل * ه بما فضلت به النجباء
وقيل لأبي عاصم النبيل فلان يتكلم في أبي حنيفة فقال هو كما قال نصيب :
سلمت وهل حي من الناس سالم
وقال أبو الأسود الديلي
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه * فالقوم أعداء له وخصوم
هذا كله كلام ابن عبد البر ، وفصل الخطاب فيه أن الجارح لا يقبل منه الجرح ، وإن فسره في حق من غلبت طاعته على معاصيه ، ومادحوه على ذاميه ، ومزكوه على جارحيه إذا كانت هناك قرينة يشهد العقل إن ذلك من تعصب مذهبي أو منافسة دنيوية كما يكون بين النظراء ، فلا يلتفت إلى كلام ابن أبي ذئب في مالك ، وابن معين في الشافعي ، والنسائي في أحمد بن صالح ، لأن هؤلاء مشهورون صار الجارح لهم كالآتي بخبر غريب لو صح لتوفرت الدواعي على نقله ، فكان القاطع قائما على كذبه فيما قاله .
ومما ينبغي أن يتفقد عند الجرح حال العقائد واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح ، فربما