تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 686

مساهمون:

ص٦٨٦
( فإن قلت ) : قد فهمت اليقين وقوّته وضعفه وكثرته وقلته وجلاءه وخفاء بمعنى نفي الشك أو بمعنى الاستيلاء على القلب ، فما معنى متعلقات اليقين ومجاريه ، وفيما ذا يطلب اليقين فإني ما لم أعرف ما يطلب فيه اليقين لم أقدر على طلبه ؟ فاعلم أن جميع ما ورد به الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم من أوله إلى آخره هو من مجاري اليقين ، فإن اليقين عبارة عن معرفة مخصوصة ومتعلقه المعلومات التي وردت بها الشرائع فلا مطمع في إحصائها ، ولكني أشير إلى بعضها وهي أمهاتها . فمن ذلك التوحيد ؛ وهو أن يرى الأشياء كلها من مسبب الأسباب ولا يلتفت إلى الوسائط ، بل يرى الوسائط مسخرة لا حكم لها فالمصدق بهذا موقن ، فإن انتفى عن قلبه مع الإيمان إمكان الشك فهو موقن بأحد المعنيين ، فإن غلب على قلبه مع الإيمان غلبة أزالت عنه الغضب على الوسائط والرضا عنهم والشكر لهم ، ونزل الوسائط في قلبه منزلة القلم واليد في حق المنعم بالتوقيع ، فإنه لا يشكر القلم ولا اليد ولا يغضب عليهما ،
شرح
( فإن قلت : فقد فهمت اليقين ) وأقسامه الثلاثة ( و ) هي ( قوّته وضعفه وكثرته وقلته وجلاؤه وخفاؤه ) وما اصطلحوا عليه في اطلاقاتهم ( بمعنى نفي الشك ) والتردد ( وبمعنى الاستيلاء على القلب ) ، وقد ذكرت في بيان قسمه الثالث أن قلته وكثرته بالنظر إلى المتعلقات ( فما متعلقات اليقين ومجاريه وفي ما ذا يطلب اليقين فإني ما لم أعرف ) وفي نسخة : متى لم أعرف ( ما يطلب فيه اليقين لم أقدر على طلبه ) والجهد في تحصيله ؟ ( فاعلم أن جميع ما ورد به الأنبياء عليهم ) الصلاة و ( السلام ) في شرائعهم ( من أوّله إلى آخره ) من الأوامر والنواهي ( هو من مجاري اليقين ) ومتعلقاته ، ( فإن اليقين عبارة عن معرفة مخصوصة ) وهو الذي لا يتداخل صاحبه ريب ولا يقبل الاحتمال ( ومتعلقة المعلومات التي وردت بها الشرائع ) على كثرتها ( فلا مطمع في إحصائها ) في الصحائف على حسب الاستقراء ، ( ولكن أشير إلى بعض أمهاتها ) أي أصولها . ( فمن ذلك التوحيد ) وهو من أمهات الشرائع التي اتفقت فيها الملل ، ( وهو ) أي اليقين فيه ( أن يرى الأشياء كلها من ) اللّه تعالى وحده لا شريك له ( مسبب الأسباب ) أي جاعل الأسباب سببا ( و ) من علامة هذه الرؤية أن ( لا يلتفت إلى الوسائط ) الظاهرة ، ( بل يرى الوساطة مسخرة ) مذللة ( لا حكم لها ) في الحقيقة وإليه يشير كلام الجنيد وغيره من العارفين فيما تقدم ( فالمصدق بها موقن ) أي متصف بصفة اليقين ، ( فإن انتفى من قلبه مع الايمان إمكان الشك ) والتردد ( فهو موقن بأحد المعنيين ) المتقدم ذكرهما ، ( وأن غلب ) ذلك ( على قلبه غلبة ) قوية بحيث ( أزال منه الغضب على الوسائط ) إذا تأخرت عن التسخير ( والرضا عنهم والشكر لهم ) إذا جرت على خدمته ، ( ونزل الوسائط في قلبه منزلة القلم ) للكتاب ( و ) منزلة ( اليد في حق المنعم بالتوقيع ) وهو أثر الكتابة في الكتاب ، ( فإنه لا