الأول فلا ينكر أيضا ، أما فيما يتطرق إليه التجويز فلا ينكر - أعني الاصطلاح الثاني - وفيما انتفى الشك أيضا عنه لا سبيل إلى انكاره فإنك تدرك تفرقة بين تصديقك بوجود مكة ووجود فدك مثلا ، وبين تصديقك بوجود موسى ووجود يوشع عليهما السلام مع أنك لا تشك في الأمرين جميعا إذ مستندهما جميعا التواتر ، ولكن ترى أحدهما أجلى وأوضح في قلبك من الثاني ، لأن السبب في أحدهما أقوى وهو كثرة المخبرين ، وكذلك يدرك الناظر هذا في النظريات المعروفة بالأدلة ، فإنه ليس وضوح ما لاح له بدليل واحد كوضوح ما لاح له بالأدلة الكثيرة مع تساويهما في نفي الشك ، وهذا قد ينكره المتكلم الذي يأخذ العلم من الكتب والسماع ولا يراجع نفسه فيما يدركه من تفاوت الأحوال . وأما القلة والكثرة ؛ فذلك بكثرة متعلقات اليقين ، كما يقال :
فلان أكثر علما من فلان ، أي معلوماته أكثر . ولذلك قد يكون العالم قوي اليقين في جميع ما ورد الشرع به وقد يكون قوى اليقين في بعضه .
شرح
إليه التجويز ) وهو المقام الثاني من الاصطلاح الاوّل ( فلا ينكر أعني الاصطلاح الثاني ) للصوفية ( وفيما انتفى الشك عنه ) وهو المقام الثالث من الاصطلاح الاوّل ( أيضا لا سبيل إلى انكاره فإنك تدرك ) في نفسك ( تفرقة بين تصديقك بوجود مكة ) شرفها اللّه تعالى ( ووجود فدك مثلا ) وهي قرية من قرى خيبر ، ( وبين تصديقك بوجود موسى صلى اللّه ) على نبينا و ( عليه وسلّم ووجود يوشع ) فتاه عليه السلام ( مع أنك لا تشك في الأمرين جميعا ) أي في مكة وفدك ، وموسى ويوشع عليهما السلام ( إذ مستندهما ) واحد وهو ( التواتر ) أي تتابع الأخبار ، ( ولكن ترى أحدهما أجلى وأوضح في قلبك من الثاني ) ضرورة ( لأن السبب في أحدهما أقوى ) من الثاني ( وهو كثرة المخبرين ) عن مكة وموسى ( وكذلك يدرك الناظر هذا في النظريات ) التي هي ( المعلومة بالأدلة ) أي بالنظر فيها ، ( فإنه ليس وضوح ما لاح له بدليل واحد ) فقط ( كوضوح ما لاح له بأدلة كثيرة مع تساويهما في نفي الشك ، وهذا ) ظاهر لا غبار عليه ولكن ( قد ينكره المتكلم الذي يأخذ العلم من الكتب والسماع ) ويدفعه في تقريره ( ولا يراجع نفسه فيما يدركه من تفاوت الأحوال ) ولو راجع نفسه لسلم . ( وأما القلة والكثرة ؛ فذلك ) لا ينكر أيضا لأنه يكون ( بكثرة متعلقات اليقين ) وبقلتها ومتعلقاته يأتي بيانها قريبا فقد يعرض لصاحبه التلون بالاختلاف فيكون سببا لقلته وقد يقوى في المتعلقات فيكون أكثر ، ( كما يقال : فلان ) اعلم أي ( أكثر علما من فلان أي معلوماته أكثر ) فكذلك متعلقات اليقين كلما زادت اتصف صاحبه بالأكثرية ، ( فلذلك قد يكون العالم قوي اليقين في جميع ما ورد الشرع به ) من الأوامر والمنهيات ، وقد يكون ضعيف اليقين في جميعه ، ( وقد يكون اليقين في بعضه ) ضعيفه في بعضه .