تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 683

مساهمون:

ص٦٨٣
شرح
اليقين ، وهذا مخصوص بالمقربين في مقامات قربهم ومحادثات مجالستهم ومأوى أنسهم ولطيف تملقهم ، وأدنى العلوم علم التسليم والقبول بعدم الإنكار وفقد السكون ، وهذا لعموم المؤمنين وهو من علم الإيمان ومزيد التصديق ، وهذا لأصحاب اليمين . وبين هذين مقامات لطيفات من أعلى طبقات المقربين إلى أوسط المقامات ، ومن أدنى طبقات أصحاب اليمين إلى أعالي أواسط الأعلين اه سياق القوت . وهنا فوائد يحتاج إلى التنبيه عليها وهو الفرق بين علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين وما للقوم فيه من العبارات . قال القشيري في رسالته : هذه عبارات عن علوم جلية ، فاليقين هو العلم الذي لا يتداخل صاحبه ريب على مطلق العرف ، فعلم اليقين هو اليقين ، وكذلك عين اليقين نفس اليقين وحق اليقين نفس اليقين ، فعلم اليقين على موجب اصطلاحهم ما كان بشرط البرهان ، وعين اليقين ما كان بحكم البيان ، وحق اليقين ما كان بنعت العيان ، فعلم اليقين لأرباب العقول ، وعين اليقين لأصحاب العلوم ، وحق اليقين لأصحاب المعارف ، قال شارحها : اليقين عند أهل اللغة توالي العلم بالمعلوم حتى لا يكاد يغفل عنه . يقال : أيقن الماء إذا صفا من كدورته وما يخالطه مما ينجر مع الماء ، فإذا استقر في مفيضه واستقر قراره وصفا يقال أيقن الماء ، فتبين من هذا أن العلم في اصطلاح يباين اليقين ، وذلك أن الشخص قد يعلم مرة واحدة فلا يسمونه موقنا إلا إذا توالى ولم يتخلله غفلة ، فإذا تقرر ذلك قلنا فعلم اليقين ما كان العلم به ثابتا عن البرهان ، فسمي علم يقين لتحقيق كونه علما لأنه قد يسمى الظن علما للسكون إلى أحد المحتملين ، فإذا قالوا : علم اليقين أرادوا العلم المتيقن الذي لا يقبل الاحتمال ، ولذلك كان بشرط البرهان ، وعين اليقين حصول العلم وتوالي أمثاله من غير نظر في دليل ، بل صار العلم مذكورا وقلّت الغفلات في تواليه على القلب ، فلم يحتج صاحبه إلى تأمل برهان وحق اليقين هو حصول اليقين بالمعلوم الذي صار غالبا على القلب حتى لا يبقى لغيره ذكره منه ، وبهذا الاعتبار سموه حق اليقين لثبوت الحقيقة لمن تحقق به ، فحاصل ما ذكر أن علم اليقين إشارة للعلم الحق الذي لا يقبل الاحتمال وأن لم يتوال على القلب وعين اليقين هو المتوالي على القلب ذكره ، حتى قلت غفلات المتصف به عنه وإن كان قد يذكر غيره ، وحق اليقين هو الذي غلب ذكر معلومه على القلب حتى شغل عن غيره وثبتت حقيقته فيمن تحقق به . وهذه الاصطلاحات الثلاثة في مراتب العلم الحق ، وإنما اختلفت في دوامها وعدم دوامها وفي غلبتها على القلب حتى شغلته عن ذكر غيره اه وفي عبارات بعضهم علم اليقين ما أعطاه الدليل بتصور الأمر على ما هو عليه ، وعين اليقين ما أعطته المشاهدة والكشف ، وحق اليقين ما حصل من العلم بما أريد له ذلك الشهود . وقال غيره : حق اليقين فناء العبد في الحق والبقاء به علما وشهودا فعلم كل عاقل بالموت علم يقين ، فإذا عاين الملائكة فعين يقين ، فإذا فارق الروح فهو حق اليقين . وقال صاحب القوت : المعرفة على مقامين معرفة سمع ومعرفة عيان ، فمعرفة السمع في الاسلام وهو أنهم سمعوا به فعرفوه وهذا هو