فيه ، ولكن فيهم من لا يلتفت إليه ولا إلى الاستعداد له وكأنه غير موقن به ومنهم من استولى ذلك على قلبه حتى استغرق جميع همه بالاستعداد له ولم يغادر فيه متسعا لغيره فيعبر عن مثل هذه الحالة بقوّة اليقين ، ولذلك قال بعضهم : ما رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت ، وعلى هذا الاصطلاح يوصف اليقين بالضعف
شرح
يحصل له هداية القلب والرضا والتسليم إلا بيقينه . ( ولا شك في أن الناس مشتركون في القطع بالموت ) بأنه حق وواقع ( والانفكاك عن الشك فيه ، ولكن فيهم من يلتفت إليه وإلى الاستعداد له ) أي لنزوله ( وكأنه غير مؤمن به ) أي غير مصدق به ، وهم المنهمكون على لذات الدنيا والمؤثرون بشهواتها على لذات الآخرة ، ( ومنهم من استولى ذلك ) أي ذكره ( على قلبه حتى استغرق همه ) وتوجهت عنايته ( بالاستعداد له ) بأنواع الطاعات ( ولم يغادر ) أي لم يترك ( فيه متسعا لغيره ) كما هو معلوم من سيرة فضلاء الصحابة وأكابر التابعين ، ومن بعدهم طبقة بعد طبقة وجيلا بعد جيل يعلم ذلك من شاهد سيرتهم وسير مناقبهم المسطرة في الكتب ، ( فيعبر عن مثل هذه الحالة اليقين ) ومن تعداهم متصف بضعف اليقين .
( ولذلك قال بعضهم ) أي من العلماء العارفين : ( ما رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت ) ، وهذا القول مشهور عن المصنف نسبه إليه غير واحد من العلماء . قال ملّا علي في شرحه على الشمائل ، قال الغزالي : ما رأيت يقينا أشبه بالشك من الموت ، والصحيح أن المصنف ناقل لهذا القول وليس أبا عذره . وقد فسر غالب المفسرين قوله تعالى :( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ )[ الحجر : 99 ] بالموت وهو معنى صحيح ذكره أئمة اللغة ، ومال كثيرون إلى أنه إطلاق حقيقي وصوّب بعضهم أنه مجازي من تسمية الشيء بما يتعلق به حققه شيخنا في حاشية القاموس . وهذا التفسير الذي ذكرناه متفق عليه عند المفسرين خلافا للزنادقة ، فإنهم قالوا : إن العبد إذا وصل إلى مقام حقيقته ارتفعت عنه العبادة ، وهذا تلبيس وافتراء منهم على أهل اللّه العارفين ، ثم أن المراد بمفاد الآية الكريمة أن دم على طاعة ربك كما حققه غير واحد ( وعلى هذا الاصطلاح يوصف اليقين بالضعف والقوة ) .
وقال صاحب القوت : واليقين على ثلاث مقامات : يقين معاينة وهذا لا يختلف خبره والعالم به خبير وهو للصديقين والشهداء ، ويقين تصديق واستسلام وهذا في الخبر والعالم به مخبر مستسلم وهذا يقين المؤمنين وهم الأبرار منهم الصالحون ومنهم دون ذلك لقوله عز وجل :( وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً )[ الأحزاب : 22 ] وقد يضعف هؤلاء بعدم الأسباب ونقصان المعتاد ويقرون بوجودها وجريان العادة ويحجبون بنظرهم إلى الوسائط ويكاشفون بها ، ويجعل مزيدهم وأنسهم بالخلق ، ويكون نقصهم ووحشتهم بفقدهم ، ويكون من هؤلاء الاختلاف لتلوين الأشياء وتغييرها عليهم ، ثم ذكر المقام الثالث الذي قدمنا ذكره آنفا ، ثم قال بعد ذلك : وكل مؤمن باللّه عز وجل فهو على علم من التوحيد والمعرف به ، ولكن علمه ومعرفته على قدر يقينه ويقينه من نحو صفاء إيمانه وقوته وإيمانه على معنى معاملته ورعايته ، فأعلى العلوم علم المشاهدة عن عين