( الاصطلاح الثاني ) : اصطلاح الفقهاء والمتصوّفة وأكثر العلماء ، وهو أن لا يلتفت فيه إلى اعتبار التجويز والشك ، بل إلى استيلائه وغلبته على العقل حتى يقال :
فلان ضعيف اليقين بالموت مع أنه لا شك فيه ، ويقال : فلان قوي اليقين في إتيان الرزق مع أنه قد يجوز أنه لا يأتيه ، فمهما مالت النفس إلى التصديق بشيء وغلب ذلك على القلب واستولى حتى صار هو المتحكم والمتصرف في النفس بالتجويز والمنع سمي ذلك يقينا ، ولا شك في أن الناس مشتركون في القطع بالموت والانفكاك عن الشك
شرح
وهذا السياق ظاهره دال على قبوله الضعف والقوة على رأي المتكلمين أيضا ، ولكن ما حرره المصنف هو الأقوى فتأمل .
( الاصطلاح الثاني ) في اليقين ( للفقهاء ) عامة ( والمتصوّفة وأكثر العلماء ) رحمهم اللّه تعالى ، ( وهو ) أي اليقين ( أن لا يلتفت فيه إلى اعتبار التجويز والشك ) المتقدم ذكرهما ، ( بل إلى استيلائه وغلبته على القلب ) حتى يغمره على سائر جهاته ( حتى يقال : فلان ضعيف اليقين بالموت مع أنه لا يشك فيه ) بأنه واقع لا محالة ، ( ويقال : فلان قوي اليقين ) مع اللّه ( في إتيان الرزق ) وحصوله ( مع أنه قد يجوز ) في نفسه ( أنه لا يأتيه فمهما مالت النفس إلى التصديق بشيء وغلب ذلك على القلب واستولى ) عليه ( حتى صار هو المتحكم المتصرف في النفس بالتجوز والمنع ) كما هو شأن المستولي ( سمي ذلك يقينا ) . وقد أشارت إلى ذلك المعنى عباراتهم ، فقال سيد الطائفة الجنيد : هو استقرار العلم الذي لا يتقلب ولا يتحول ولا يتغير في القلب ، وقال سهل : حرام على قلب أن يشم رائحة اليقين وفيه سكون إلى غير اللّه ، وقال غيره : من علامات اليقين الالتفات إلى اللّه في كل نازلة والرجوع إليه في كل أمر والاستعانة به في كل حال وإرادة وجهه بكل حركة وسكون . وقال القشيري ، قال الجنيد : سئل بعض العلماء عن التوحيد ، فقال : هو اليقين ، فقال السائل : بيّن لي ما هو ؟ فقال : هو معرفتك أن حركات الخلق وسكونهم فعل اللّه تعالى وحده لا شريك له ، فإذا عرفت ذلك فقد وجدته . قال شارح الرسالة : أجاب أولا بأنه واحد في ذاته وصفاته وأفعاله لا شريك له ، فلما لم يفهم نزل له قليلا نزل إلى الأفعال خاصة وكلمه على حسب فهمه وخاطبه بالأفعال دون الذات والصفات اه .
وقال السري : اليقين سكونك عند جولان المراد في صدرك لتيقنك أن حركتك فيها لا تنفعك ولا ترد عنك مقضيا . قال ابن القيم عند ذكره لقول السري : هذا إذا لم تكن الحركة مأمورا بها ، فإذا كانت مأمورا بها فاليقين في بذل الجهد فيها واستفراغ الوسع ، وقال بعضهم :
هو رؤية العيان بقوة الإيمان لا بالحجة والبرهان ، وقيل : مشاهدة الغيوب بصفات القلوب وملاحظة الأسرار بمخالطة الإذكار . وقيل : إذا استكمل المرء حقيقة اليقين صار البلاء عنده نعمة والمحنة منحة . وقال تعالى :( ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ )[ التغابن : 11 ] قال ابن مسعود : هو العبد تصيبه المصيبة فيعلم أنها من اللّه فيرضى ويسلم ، فهذا لم