الثاني : أن تميل نفسك إلى أحد الأمرين مع الشعور بإمكان نقيضه ولكنه إمكان لا يمنع ترجيح الأول ، كما إذا سئلت عن رجل تعرفه بالصلاح والتقوى أنه بعينه لو مات على هذه الحالة هل يعاقب ؟ فإن نفسك تميل إلى أنه لا يعاقب أكثر من ميلها إلى العقاب ، وذلك لظهور علامات الصلاح . ومع هذا فأنت تجوّز اختفاء أمر موجب للعقاب في باطنه وسريرته ، فهذا التجويز مساو لذلك الميل ولكنه غير دافع رجحانه ، فهذه الحالة تسمى ظنا .
شرح
الغرض الذي لأجله وجد ، ثم قال : والشك ضرب من الجهل وهو أخص منه لأن الجهل قد يكون عدم العلم بالنقيضين رأسا فكل شك جهل ولا عكس ، والشك خرق الشيء وكأنه بحيث لا يجد الرأي مستقرا يثبت فيه ويعتمد عليه ، ولذلك يعدى بفي ويجوز كونه مستعارا من الشك وهو لصوق العضد بالجنب ، وذلك أن يتلاصق النقيضان فلا مدخل للرأي والفهم لتخلل ما بينهما ، ويشهد له قولهم : التبس الأمر واختلط وأشكل ، ونحو ذلك من الاستعارات .
( الثاني : أن تميل نفسك إلى أحد الأمرين ) إما التصديق وإما التكذيب ( مع الشعور ) أي العلم ( بإمكان ) وجود ( نقيضه ) أي رافعه ، ( ولكنه إمكان لا يمنع ترجيح ) الأمر ( الأول ) ومثاله : ( كما إذا سئلت عن ) حال ( رجل ) معين ( تعرفه بالصلاح والتقوى ) وغير ذلك من أعمال البر ( أنه بعينه لو مات على هذه الحالة ) التي أنت تعرفها فيه ( هل يعاقب ) أم لا ؟ ( فإن نفسك تميل إلى أنه لا يعاقب أكثر من ميلها إلى العقاب ، وذلك لظهور علامات الصلاح ) وأماراته ، ( ومع هذا فأنت تجوّز اختفاء أمر يوجب العقاب في باطنه وسريرته ) أي : تجعل ذلك جائزا في نفسك لأن الإمارات إنما يستدل بها على الظواهر .
( وهذا التجويز مساو لذلك الميل ) أي قد سيق له ( ولكنه غير دافع رجحانه ) على الطرف الثاني . ( فهذه الحالة تسمى ظنا ) ، ومثله صاحب اللمع بقوله : كظن الإنسان في الغيم المشف الثخين أنه سيجيء منه المطر ، وأن جوزانه ينقشع من غير مطر ، وكاعتقاد المجتهدين فيما يفتون به من مسائل الخلاف ، وإن جوز أن يكون الأمر بخلاف ذلك وغير ذلك مما لا يقطع به اه .
وقال السمين : الظن ترجيح أحد الطرفين نفيا وإثباتا وقد يعبر به عن اليقين والعلم ، كما يعبر بالعلم عنه مجازا . وقال غيره : الظن الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض ويستعمل في اليقين والشك .
وقال الراغب : الظن ما يحصل عن أمارة فإذا قويت أدت إلى العلم ، ومتى ضعفت لم تتجاوز حد الوهم . وقال بعضهم : إنما جاز استعمال كل من الظن والعلم في موضع الآخر لعلاقة أن كلّا منهما فيه رجحان أحد الطرفين ، إما جزما وهو العلم ، أو وهما وهو الظن ، فمن استعمال العلم بمعنى الظن قوله تعالى :( فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ )[ الممتحنة : 10 ] ليس الوقوف على الاعتقادات يقينا ، ومن استعمال العكس قوله :( الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ )[ البقرة : 46 ] أي يتيقنون إذ لا يناسب حالهم وصفهم بظن ذلك حقيقة ، ولو شكوا في ذلك لم يكونوا موقنين فضلا عن