تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 672

مساهمون:

ص٦٧٢
ومنها : أن يكون شديد العناية بتقوية اليقين ، فإن اليقين هو رأس مال الدين . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « اليقين الإيمان كله » . فلا بد من تعلم علم اليقين أعني أوائله ثم ينفتح
شرح
الصنف الرابع : من حرصه وهمته في جمع الأموال وتثميرها وادخارها فلا يرى شيئا أطيب له مما هو فيه ، فمن أين له درجة العلم ؟ فهؤلاء الأصناف الأربعة ليسوا من دعاة الدين ولا من طلبة العلم الصادقين ، ومن تعلق منهم بشيء فهو من المشتاقين عليه المتشبهين بحملته المدعين لوصاله المبتوتين من حباله ، وفتنة هؤلاء لكل مفتون ، قوله : أقرب شبها بالأنعام السائمة هو كقوله تعالى :( إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا )[ الفرقان : 44 ] والسائمة الراعية شبهوا بها في رعي الدنيا وحطامها . قوله : كذلك يموت العلم بموت حامليه ، أي ذهاب العلم إنما هو بذهاب العلماء . وهو مأخوذ من حديث قبض العلم في البخاري . قوله : اللهم بلى لن تخلو الأرض الخ يدل عليه حديث : « لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من ناوأهم حتى يأتي أمر اللّه وهم على ذلك » . واعلم أن هذه الأمة أكمل الأمم جعل اللّه العلماء فيها خلفاء الأنبياء لئلا تطمس أعلام الهدى كما كان بنو إسرائيل كلما هلك نبي خلفهم نبي ، فكانت تسوسهم الأنبياء والعلماء لهذه الأمة كأنبياء بني إسرائيل ، والفرق بين الحجج والبينات أن الحجج هي الأدلة العلمية التي يعقلها القلب وتسمع بالآذان ، والبينات الآيات التي أقامها اللّه تعالى دلالة على صدقهم من المعجزات . قوله : أولئك الأقلون عددا الخ وهذا سبب غربتهم فإنهم قليلون في الناس والناس على خلاف طريقتهم ، وإياك أن تعترف بأنهم لو كانوا على حق لم يكونوا أقل الناس عددا ، فاعلم أن هؤلاء هم الناس ومن سواهم فمشبهون بهم ليسوا بناس . قوله : حتى يردوها إلى نظرائهم ويزرعوها في قلوب أشباههم أي : ما أقام اللّه بهذا الدين من يحفظه ثم قبضه إليه إلا وقد زرع ما علمه من العلم والحكمة إما في قلوب أمثاله ، وإما في كتب ينتفع بها الناس بعده ، وبهذا وبغيره فضلوا على غيرهم . قوله : هجم بهم العلم إلخ الهجوم على الرجل الدخول عليه بلا إذن أي أنهم لكمال علمهم وقوته تقدم بهم إلى حقيقة الأمر فعاينوا ببصائرهم واطمأنت قلوبهم به وعملوا على الوصول إليه لما باشرها من روح اليقين رفع لهم علم السعادة ، فشمروا إليه وزهدوا عما سواه واستيقنت قلوبهم ما أعد لأوليائه من كرامة اللّه ، ومن وصل إلى هذا استلان ما يستوعره المترفون وأنس بما يستوحش منه الجاهلون ، وهذا هو العلم التام والحب الخالص . فهذا تفسير الحديث . وقد اختصرت في العبارة كثيرا وحذفت ما رأيت الاستغناء عنه . ( ومنها ) : أي ومن علامات علماء الآخرة ( أن يكون شديد العناية ) كثير الاهتمام ( بتقوية اليقين فإن اليقين هو رأس مال الدين ) وهو من جملة علوم الايمان متضمن له بكل ما يجب الايمان به ، ومن ثم قال جمع اليقين قوة الإيمان بالقدر والسكون إليه ، وإذا باشر القلب اليقين امتلأ نورا وانتفى عنه كل ريب ، فالعلم أوّل درجات اليقين ، ولهذا قيل : العلم يستعملك واليقين يحملك ، فاليقين أفضل مواهب الرب لعبده ولا يثبت قدم الرضا إلا على درجة اليقين . ( قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « اليقين الايمان كله » ) . قال العراقي : رواه أبو نعيم في الحلية ، والبيهقي في الزهد وأبو القاسم اللالكائي في كتاب السنة من رواية يعقوب بن حميد بن كاسب . قال : أخبرنا