تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 669

مساهمون:

ص٦٦٩
الغافلون ، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى أولئك أولياء اللّه عز وجل من خلقه وأمناؤه وعماله في أرضه والدعاة إلى دينه ثم بكى وقال : وا شوقاه إلى رؤيتهم ، فهذا الذي ذكره أخيرا هو وصف علماء الآخرة وهو العلم الذي يستفاد أكثره من العمل والمواظبة على المجاهدة .
شرح
أرواحها معلقة بالمحل الأعلى ) كذا في القوت ، وفي الحلية : بالمنظر الأعلى ، وعند ابن القيم : بالملأ الأعلى ( أولئك أولياء اللّه من خلقه وعماله في أرضه والدعاة إلى دينه ) كذا في القوت ، ونص الحلية : أولئك خلفاء اللّه في بلاده ودعاته إلى دينه ، ( ثم بكى وقال : وا شوقاه إلى رؤيتهم ) كذا في القوت . وفي الحلية بعد قوله إلى دينه : هاه هاه شوقا إلى رؤيتهم وأستغفر اللّه لي ولكم إذا شئت فقم هذا آخر الحديث على ما في الحلية ، وعند ابن القيم ( فهذا الذي ذكره آخرا هو وصف علماء الآخرة ) الذين هم أهل الحقائق وفضلهم على الخلائق ( وهو العلم الذي يستفاد أكثره من العمل ) المقرون بالإخلاص ( والمواظبة على المجاهدة ) . ولنتكلم على الحديث الماضي ذكره قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة ، قال أبو بكر الخطيب : هذا حديث حسن من أحسن الأحاديث معنى وأشرفها لفظا ، وتقسيم أمير المؤمنين للناس في أوله تقسيم حسن في غاية الصحة ونهاية السداد ، لأن الإنسان لا يخلو من أحد الأقسام التي ذكرها مع كمال العلم وإزاحة العلل ، إما أن يكون عالما أو متعلما أو مهملا للعلم ، وطلبه ليس بعالم ولا طالب له ، فالعالم الرباني هو الذي لا زيادة على فضله لفاضل ، وأما المتعلم على سبيل النجاة فهو الطالب بتعلمه والقاصد به نجاته من التفريط في تضييع الواجبات ، وأما القسم الثالث فهم المهملون لأنفسهم الراضون بالمنزلة الدنية ، وما أحسن ما شبههم بالهمج الرعاع ، والرعاع : المتبدد المتفرق ، والناعق : الصائح وهو في هذا الموضع الراعي ، ثم قال ابن القيم : ونحن نشير إلى بعض ما في الحديث من الفوائد وأنا أذكر ذلك اختصارا قال : فقوله رضي اللّه عنه : القلوب أوعية القلب يشبه بالوعاء والإناء والوادي لأنه وعاء الخير والشر ، وقوله : خيرها أوعاها أي أكثرها وأسرعها وأثبتها وأحسنها وعيا أي حفظا ويوصف بالوعي القلب والأذن كقوله تعالى :( وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ )[ الحاقة : 12 ] لما بين القلب والأذن من الرباط ، فالعلم يدخل من الأذن إلى القلب فهي بابه ، وإنما توصل بذلك لأنها إذا وعت وعى القلب . وقوله : الناس ثلاثة إعلم أن العبد إما أن يكمل في العلم والعمل أو لا . فالأول العالم الرباني ، والثاني إما أن تكون نفسه متحركة في طلب ذلك الكمال أو لا . والثاني هو المتعلم على سبيل النجاة . والثالث هو الهمج الرعاع . فالأول هو الواصل ، والثاني هو الطالب ، والثالث هو المحروم ، ولا يكون العالم ربانيا حتى يكون عاملا بعلمه ، والثاني متعلم على سبيل نجاة أي على الطريق التي تنجيه وليس حرف على وما عمل فيه متعلقا بمتعلم إلا على وجه التضمين أي يفتش مطلع على سبيل نجاته ليسلكه ، فبعلمه يفتش على سبيل نجاته لا للمباراة أو غيره ، فإنه على سبيل هلكة . والقسم الثالث المحروم المعرض فلا عالم ولا متعلم بل همج رعاع ، والهمج من الناس : حمقاؤهم وجهلتهم ، والرعاع الذين لا يعتد بهم .