شرح
وتقديم واحترام وغير ذلك ، فإنما هي مراعاة لماله ، فإذا زال زالت وهجر حتى ممن كان يختص به ، وفيه قال بعض العرب :وكانوا بني عمي يقولون مرحبا * فلما رأوني معسرا مات مرحباوهذا أمر لا ينكر في الناس حتى أنهم ليكرمون لثيابهم ، فإذا نزعت لم يكرموا وهذا بخلاف صنيعة العلم ، قوله : مات خزان المال تقدم شرحه في أول الكتاب . قوله : وأمثالهم في القلوب موجودة المراد بأمثالهم صورهم العلمية فهي لا تفارق القلوب ، وهذا هو الوجود الذهني العلمي لأن محبة الناس لهم وانتفاعهم بعلومهم يوجب أن لا يزالوا نصب عيونهم وقبلة قلوبهم . وقوله :
هاه إن ههنا علما وأشار إلى صدره فيه جواز إخبار الرجل بما عنده من الخير والعلم ليقتبس منه وينتفع به لا للمباهاة . فإنه مذموم ، وإذا أثنى الرجل على نفسه ليخلص بذلك من مظلمة أو يستوفي بذلك حقا له يحتاج فيه إلى التعريف بحاله أو عند خطبة إلى من لا يعرفه فلا بأس فيه ، والأحسن أن يوكل في مثله إلى غيره ، فإن لسان المرء على نفسه قصير وهو في الغالب مذموم ، ثم ذكر أصناف حملة العلم الذين لا يصلحون لحمله وهم أربعة .
أحدهم : من ليس هو بمأمون عليه وهو الذي أوتي ذكاء وحفظا ، لكن جعل العلم آلة للدنيا يستجلبها به وهذا غير أمين على ما حمله من العلم ، فقد خان اللّه وخان عباده ، فإن الأمين المأمون هو الذي لا غرض له ولا إرادة لنفسه إلا اتباع الحق وموافقته ، فلهذا قال : غير مأمون عليه .
قوله : يستظهر بحجج اللّه إلخ هذه صفة هذا الخائن ومعنى استظهاره بالعلم على كتاب اللّه تحكيمه عليه وتقديمه وإقامته دونه واشتغاله بغيره ، وهذه حال كثير من العلماء الذي يجعل كتاب اللّه وراء ظهره ، فالمستظهر به على كل ما سواه موفق سعيد والمستظهر عليه مخذول شقي .
الصنف الثاني : من حملة العلم المنقاد الذي لم يثلج له صدره ولم يطمئن به قلبه ، بل هو ضعيف البصيرة فيه لكنه منقاد لأهله ، وهذا حل اتباع الحق من مقلديهم . وهؤلاء وإن كانوا على سبيل نجاة فليسوا من دعاة الدين قوله : لا بصيرة له في إحنائه جمع حنو بالكسر وهي الجوانب والنواحي . يقولون : ازجر أحناء طيرك أي أمسك جوانب خفتك وطيشك . قلت : الأولى أن يفسر الاحناء هنا بالمتشابهات ، والمعنى الذي ذكره هو الذي في الصحاح والذي ذكرته من كتاب العباب . قوله : ينقدح الشك إلخ هذا لضعف علمه وقلة بصيرته إذا وردت على قلبه أدنى شبهة قدحت فيه الشك والريب ، بخلاف الراسخ في العلم لو وردت عليه أمواج البحار ما أزالت يقينه ولا قدحت فيه شكا ، بل يردها بقوة يقينه ، وضعيف اليقين إن تداركها وإلا تتابعت على قلبه أمثالها حتى يصير مرتابا .
الصنف الثالث : رجل نهمته في نيل لذته فهو منقاد لداعي الشهوة أين كان ولا ينال درجة وراثة النبوة مع ذلك ، فمن آثر الراحة فاتته الراحة ، وقال إبراهيم الحربي : أجمع عقلاء كل أمة أن النعيم لا يدرك بالنعيم ، فمن لم يغلب لذة إدراكه للعلم على شهوة نفسه لم ينل درجة العلم أبدا .