تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 666

مساهمون:

ص٦٦٦
المكاشفة وأسرار علوم المعاملة ودقائق خواطر القلوب ، فإن كل علم من هذه العلوم بحر لا يدرك عمقه ، وإنما يخوضه كل طالب بقدر ما رزق منه وبحسب ما وفق له من حسن العمل ، وفي وصف هؤلاء العلماء قال علي رضي اللّه عنه في حديث طويل :
شرح
عن بعض بالألسنة ، إنما كانوا أهل عمل وحسن معاملات ، وكان أحدهم إذا انقطع إلى اللّه تعالى فاشتغل به واستعمله المولى لخدمته بأعمال القلوب ، وكانوا عنده في الخلوة بين يديه لا يذكرون سواه ولا يشتغلون بغيره ، فإذا ظهروا للناس فسألوهم ألهمهم اللّه رشدهم ووفقهم لسديد قولهم وآتاهم الحكمة ميراثا لأعمالهم الباطنة عن قلوبهم الصافية وعقولهم الزاكية وهممهم العالية ، فأمدهم بحسن توفيقه . إذ ألهمهم حقيقة العلم ، وأطلعهم على مكنون السرّ حين آثروه بالخدمة ، وانقطعوا إليه بحسن المعاملة ، فكانوا يجيبون عما عنه يسألون بحسن أثرة اللّه سبحانه وجميل أثره عندهم ، فتكلموا بعين القدرة وأظهروا وصف الحكمة ، ونطقوا بعلوم الأعمال ، وكشفوا بواطن القرآن . وهذا هو العلم النافع الذي بين العبد وربه وهو الذي يلقاه به ويسأله عنه ويثيبه عليه ، وهو ميزان جميع الايمان ، وعلى قدر علم العبد بربه ترجح أعماله وتضاعف حسناته . وبه يكون عند اللّه من المقربين لأنه لربه من الموقنين اه . فمن ذلك كلام القطب سيدي علي وفا على قصة سيدنا موسى في سورة القصص ، وشرحه لحديث أم زرع بلسان القوم ، فكل من طالعهما بعين الإنصاف قضى عجبا ، وفي المتأخرين القطب أبو الحسن البكري أملى بالجامع الأزهر على سورة الفاتحة نحو ثلاثمائة مجلس كل ذلك مشحون بالأسرار والمعارف ، ومثل هذا الفيض لا ينكره إلا من حرمه . ( وكذلك ) الحال ( في علوم المكاشفة ) بتجلي الذات وإظهار الأفعال الدالة على معاني الأوصاف الباطنة ( وأسرار علوم المعاملة ) وعلوم الورع والاخلاص ( ودقائق خواطر القلوب ) وتلوينات الشواهد على المريدين وتفاوت مشاهدات العارفين ، ( فإن كل علم من هذه العلوم بحر ) واسع ( لا يدرك عمقه ) ولا ينتهي إلى غوره ، ( وإنما يخوضه كل طالب بقدر ما رزق ) من سعة همته وقوّة اجتهاده ، ( وبحسب ما وفق له من حسن العمل ) بتأييد من ربه وعصمة منه . ( وفي وصف هؤلاء العلماء ) أي علماء الآخرة ( قال ) أمير المؤمنين ( علي ) بن أبي طالب ( رضي اللّه عنه في حديث طويل ) أورده ابن القيم في مفتاح دار السعادة ، وأبو طالب المكي في القوت ، والراغب في الذريعة مفرقا . كلهم من غير سند . وأخرجه أبو نعيم في الحلية في ترجمة علي فقال : حدثنا حبيب بن الحسن ، حدثنا موسى بن إسحاق ، وحدثنا سليمان بن أحمد ، حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة قالا : حدثنا أبو نعيم ضرار بن صردح ، وحدثنا أبو أحمد محمد بن محمد بن أحمد الحافظ ، حدثنا محمد بن الحسين الخثعمي ، حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري قالا : حدثنا عاصم بن حميد الخياط ، حدثنا ثابت بن أبي صفية أبو حمزة الشمالي ، عن عبد الرحمن بن جندب ، عن كميل بن زياد قال : أخذ علي بن أبي طالب بيدي فأخرجني إلى ناحية الجبان ، فلما أصحرنا جلس ثم تنفس ثم قال : يا كميل بن زياد !