تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 663

مساهمون:

ص٦٦٣
مقتصر على المهم في التعلم ومتوفر على العمل ومراقبة القلب فتح اللّه له من لطائف الحكمة ما تحار فيه عقول ذوي الألباب ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من عمل بما علم أورثه
شرح
( طال تعلمه ) وامتد طلبه حتى أضاع لياليه وأيامه ( ولم يقدر على مجاوزة مسموعه ) الذي تلقفه عن الشيوخ والكتب ( بكلمة ) واحدة ، كما هو مشاهد في كثير من علماء العصر فتراهم يقفون فيما سمعوه ويترددون بأنواع المحاورات ولا يكادوا أن يتجاوزوا ، ( وكم من مقتصر على ) تحصيل ( المهم في ) قوانين ( التعلم ومتوفر على العمل ) أي مباشرته ( و ) مقبل على ( مراقبة القلب ) بخالص فكره ( فتح اللّه عز وجل عليه ) في أدنى زمان وأقرب أوان ( من لطائف الحكم ) ودقائقها ( ما تحار فيه عقول ذوي الألباب ) موهبة من اللّه تعالى . كما اتفق ذلك لكثير من الأولياء العارفين ممن علومهم مأخوذة عن اللّه تعالى . وفي القوت : أهل الذكر للّه تعالى وأهل التوحيد والعمل للّه تعالى لم يكونوا يتلقون هذا العلم دراسة من الكتب ، ولا يتلقاه بعضهم عن بعض بالألسنة ، إنما كانوا أهل عمل وحسن معاملات ، وكان أحدهم إذا انقطع إلى اللّه تعالى واشتغل به واستعمله المولى بخدمته بأعمال القلوب وكانوا عنده في الخلوة بين يديه لا يذكرون سواه ولا يشتغلون بغيره ، فإذا ظهروا للناس فسألوهم ألهمهم اللّه تعالى رشدهم ووفقهم لتسديد قولهم وآتاهم الحكمة ميراثا لأعمالهم الباطنة عن قلوبهم الصافية وعقولهم الزاكية وهممهم العالية ، فأمرهم بحسن توفيقه إذ ألهمهم حقيقة العلم وأطلعهم على مكنون السر حتى آثروه بالخدمة وانقطعوا إليه بحسن المعاملة ، فكانوا يجيبون عما عنه يسألون بحسن أثرة اللّه تعالى وجميل أثره عندهم ، فتكلموا بعين القدرة وأظهروا وصف الحكمة ونشروا علوم الإيمان وكشفوا بواطن القرآن . وهذا هو العلم النافع الذي يقربه إلى ربه ويكون من الموقنين ، ( ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم « من عمل بما علم ورثه اللّه علم ما لم يعلم » ) رواه أبو نعيم في الحلية من حديث أنس وضعفه . قال العراقي : وأورده صاحب القوت بلا سند إلا أنه قال « بما يعلم » بدل « بما علم » . وأخرج أبو نعيم في الحلية في ترجمة أحمد بن أبي الحواري بسنده إليه قال : التقى أحمد بن حنبل وأحمد ابن أبي الحواري بمكة فقال أحمد : حدثنا بحكاية سمعتها من أستاذك أبي سليمان الداراني فقال : يا أحمد قل سبحان اللّه بلا عجب ، فقال ابن حنبل : سبحان اللّه وطوّلها بلا عجب ، فقال ابن أبي الحواري : سمعت أبا سليمان يقول إذا اعتقدت النفوس على ترك الآثام جالت في الملكوت وعادت إلى ذلك العبد بطرائق الحكمة من غير أن يؤدي إليها عالم علما . قال ؛ فقام أحمد بن حنبل ثلاثا وجلس ثلاثا وقال : ما سمعت في الإسلام حكاية أعجب من هذه إليّ ، ثم قال أحمد بن حنبل : حدثني يزيد بن هارون عن حميد الطويل عن أنس رفعه : « من عمل بما علم ورثه اللّه علم ما لم يعلم » ثم قال لابن أبي الحواري صدقت يا أحمد وصدق شيخك . قال أبو نعيم : ذكر أحمد هذا الحديث عن بعض التابعين عن عيسى بن مريم فظن بعض الرواة أنه ذكره عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومن شواهده ما أخرج أبو نعيم من رواية نصير بن حمزة عن أبيه ، عن جعفر بن