تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 662

مساهمون:

ص٦٦٢
وسلوكه وصدق الرجاء في انكشاف ذلك من المجاهدة والمراقبة ، فإن المجاهدة تفضي إلى المشاهدة ، ودقائق علوم القلب تنفجر بها ينابيع الحكمة من القلب ، وأما الكتب والتعليم فلا تفي بذلك ، بل الحكمة الخارجة عن الحصر والعد ، إنما تنفتح بالمجاهدة والمراقبة ومباشرة الأعمال الظاهرة والباطنة والجلوس مع اللّه عز وجل في الخلوة مع حضور القلب بصافي الفكرة والانقطاع إلى اللّه تعالى عما سواه ، فذلك مفتاح الإلهام ومنبع الكشف ، فكم من متعلم طال تعلمه ولم يقدر على مجاوزة مسموعه بكلمة ، وكم من
شرح
وهو العلم باللّه عز وجل الدال على اللّه ، الشاهد بالتوحيد له من علم الإيمان واليقين وعلم المعرفة والمعاملة دون سائر علوم الفتيا والأحكام ، وبذلك فضل على العمل وفضل صاحبه على غيره في قولهم : ذرة من علم أفضل من كذا وكذا من العمل ، وركعتان من عالم أفضل من ألف ركعة من عابد ، وغير ذلك من الأحاديث والآثار التي تقدم ذكرها في أول الكتاب . ( و ) من علاماته أن يكون مهتما في ( مراقبة القلب ) ومحافظته من مداخله ، الوساوس ومخالطة النفثات الشيطانية ، ( و ) أن يكون مهتما في ( معرفة طريق الآخرة و ) كيفية ( سلوكه ) بواسطة مرشد كامل أو عارف حاذق يستفيد ذلك بمجالسته ( وصدق الرجاء ) وتحقيق الأمنية ( في انكشاف ذلك ) وتحصيله ( من المجاهدة ) الباطنية بالرياضات الشرعية ( والمراقبة ) مع اللّه تعالى بذكره دائما ، ( فإن المجاهدة ) أساس هذا السلوك ولا يتم الأمر إلا بها وهي ( تفضي ) وتوصل ( إلى ) مقام ( المشاهدة في دقائق ) أسرار ( علم القلب وتنفجر بها ) أي بالمجاهدة ( ينابيع الحكمة من القلب ) ، وإليه الإشارة بما ورد ، من أخلص للّه أربعين يوما تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ، لأن إخلاص العبودية للربوبية وإخلاص الأعمال من الهوى الدنيوي هو عين المجاهدة ، والنور إذا جعل في الصدر انشرح القلب بالعلم ونظر باليقين فنطق به اللسان بحقيقة البيان ، وهو الحكمة التي أودعها اللّه عز وجل في قلوب أوليائه . ( أما كتب التعليم ) وما استودع فيها مما سمعه من غيره عمن قدم طريقه السمع ومفتاحه الاستدلال وخزائنه العقل يتلقاها الصغير عن الكبير باقية ببقاء الإسلام وهي محجة العموم من خلق اللّه تعالى ، ( فلا تفي بذلك ) ولا ترشد السالك ( بل الحكمة ) الإلهية ( الخارجة عن الحصر والعد إنما تنفتح ) وتنكشف ( بالمجاهدة والمراقبة ) في القلب ( ومباشرة الأعمال الظاهرة ) على قوانين الشريعة ( والباطنة ) على ميزان الطريقة ( والجلوس مع اللّه تعالى ) بغاية الخشوع والخشية ( مع حضور القلب ) لكونه خزانة الملكوت وهو باب علم الباطن ، ويكون ذلك ( بصافي الفكر ) وخالصه عن المكدرات الظاهرية والباطنية ( والانقطاع إلى اللّه تعالى ) في جميع أحواله ( عما سواه ، فذلك مفتاح الإلهام ) الرباني ( ومنبع الكشف الصمداني ) يرشدك إليه قوله عز وجل :( وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا )[ العنكبوت : 69 ] ( وكم من متعلم ) في العلوم الظاهرة
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 662 | مرتضى الزبيدي