الضر فأهداه إلى الآخر وأهداه الآخر إلى الآخر ، وهكذا دار بينهم حتى رجع إلى الأوّل . فانظر الآن كيف انعكس أمر العلماء فصار المهروب منه مطلوبا والمطلوب مهروبا عنه ؟ ويشهد لحسن الاحتراز من تقلد الفتاوى ما روي مسندا عن بعضهم . أنه قال : لا يفتي الناس إلا ثلاثة : أمير أو مأمور أو متكلف . وقال بعضهم : كان الصحابة يتدافعون أربعة أشياء : الإمامة والوصية والوديعة والفتيا . وقال بعضهم : كان أسرعهم إلى الفتيا أقلهم علما وأشدهم دفعا لها أورعهم . وكان شغل الصحابة والتابعين رضي اللّه
شرح
إيثارهم : ( أهدي إلى واحد منهم رأس مشوي ) أي رأس كبش قد شوي أو عجل ( وهم في غاية الضر ) والجهد والفاقة فلم يأكله ( فأهداه إلى الآخر ) من أصحابه إيثارا ( وأهدى الآخر إلى الآخر دار بينهم حتى رجع إلى الأول ) ، فهذا هو مقام الإيثار ، ولقد كانوا رضي اللّه عنهم مع ضيق عن الحطام الزائل البائد معتصمين بما حماهم به الوافي الزائد ، فاجترأوا من الدنيا بالفلق ومن ملبوسها بالخرق لم يعدلوا إلى أحد سواءه ولم يعولوا إلا على محبته ورضاه ، وكبت الملائكة في زيارتهم وخلتهم وأمر الرسول بالصبر على محادثتهم ومجالستهم ، وإنما أورد المصنف هذه القصة هنا ليقاس عليه أمر الفتوى حتى يعيدها إلى الآخر . ( فانظر كيف انعكس أمر العلماء ) اليوم ( فصار المهروب منه مطلوبا والمطلوب ) الحقيقي ( مهروبا عنه ) ، وذلك في زمان المنصف ، وأما الآن فاللّه المستعان وعليه التكلان .
( ويشهد لحسن الاحتراز من تقليد الفتوى ) والاجتناب من الأقدام عليه ( ما روي مسندا ) عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ( أنه قال ) ، وعبارة القوت : وروي عن ابن مسعود وابن عمر وغيرهما من التابعين ، وقد روينا مسندا ( لا يفتي الناس إلا ثلاثة : أمير أو مأمور أو متكلف ) تفصيل ذلك أن الأمير هو الذي يتكلم في علم الفتيا والأحكام ، كذلك الأمراء يسألون ويفتون والمأمور الذي أمره الأمير بذلك فيقيمه مقامه فيستعين به لشغله بالرعية ، والمتكلف هو القاص الذي يتكلم في القصص السالفة وبعض أخبار من مضى ، لأن ذلك لا يحتاج إليه في الحال ولم يندب إليه المتكلم وقد يدخله الزيادة والنقصان والاختلاف ، فلذلك كره القصص فصار القاص من المتكلفين ، وقد جاء في لفظ الحديث الآخر بتأويل معناه « لا يتكلم على الناس إلا ثلاثة أمير أو مأمور أو مراء » هذا كله كلام صاحب القوت . وأما تخريج الحديث وتحقيقه فقد تقدم مبسوطا في الباب الثاني . ( وقال بعضهم ) ونص القوت : وقال بعض العلماء : ( كان الصحابة ) والتابعون بإحسان ( يتدافعون أربعة أشياء ) أي يدافعون أنفسهم عن ارتكابها .
( الإمامة ) وهو التقدم على المصلين ( والوديعة ) من المال وغيره ( والوصية ) عن الأموات ( والفتوى ) هكذا هو نص القوت ، ( وقال بعضهم : كان أسرعهم إلى الفتيا أقلهم علما وأشدهم دفعا ) لها وتوقفا عنها ( أورعهم ) هكذا نص القوت . وأخرج الدارمي في مسنده من طريق عبيد اللّه بن أبي جعفر المصري مرسلا . أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار ، قال المناوي :