فليس بأقل أجرا ممن نطق لأن الاعتراف بالجهل أشد على النفس . فهكذا كانت عادة الصحابة والسلف رضي اللّه عنهم . كان ابن عمر إذا سئل عن الفتيا قال : اذهب إلى هذا الأمير الذي تقلد أمور الناس فضعها في عنقه ؛ وقال ابن مسعود رضي اللّه عنه :
شرح
ضعفت ديانته وقلت معرفته لأنه يخاف من سقوطه من أعين الحاضرين ولا يخاف من سقوطه من عين رب العالمين وهذا جهالة ورقة دين اه .
وقال الزمخشري في قوله تعالى :( آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ )[ يونس : 59 ] كفى بهذه الآية زاجرة زجرا بليغا عند التجوز فيما يسأل عنه من الأحكام وباعثة على وجوب الاحتياط فيها ، وأن لا يقول أحد في شيء إلا بعد إتقان وإيقان ، فمن لم يتقن ولم يوقن فليتق اللّه وليصمت ، وإلا فهو مفتر على اللّه عز وجل ، ( ومن سكت ) إذا سئل في مسألة ( حيث لا يدري ) ولا يتحققه تعظيما ( للّه سبحانه ) وإيكالا للعلم إليه ( ليس بأقل أجرا ممن ينطق ) بل هو مساو له في الأجر ( لأن الاعتراف بالجهل أشد على النفس ) لأنها مجبولة على الاغترار بالفخر فمتى مقتها في اللّه تعالى فإنه مأجوره وفي القوت : ولأن حسن من سكت لأجل اللّه تعالى تورعا كحسن من نطق لأجله بالعلم تبرعا اه .
وقال ابن عطاء اللّه : من علامة جهل السالك لطريق علم الظاهر أو الباطن أن يجيب عن كل ما يسئل عنه ، ويعبر عن كل ما شهد ، ويذكر كل ما علم لدلالته على أنه لم يكن باللّه ولا للّه ، بل كان لنفسه إذ النفس مع العقل والتمييز ، ومن طلب الحق بالعقل ضل وكان دليلا على جهله . وقال أبو الحسن الماوردي : ليس بمتناه في العلم إلّا ويجد من هو أعظم منه بشيء إذ العلم أكثر من أن يحيط به بشر . وقال الشعبي : ما رأيت ولا آمر رجلا أعلم مني إلا اتبعته ، وهذا لم يقله تفضيلا لنفسه بل تعظيما للعلم أن يحاط به ، وقلما تجد بالعلم معجبا وبما أدركه منه مفتخرا إلا من كان فيه مقلا مقصرا لأنه يجهل قدره ويظن أنه نال بالدخول فيه أكثره ، وأما من كان فيه متوجها ومنه مستكثرا فهو يعلم من بعد غايته والعجز من إدراك نهايته ما يصده عن العجب به ، وقالوا العلم ثلاثة أشبار ، فمن نال منه شبرا شمخ بأنفه وحلف أنه هو ، ومن نال منه الثاني صغرت إليه نفسه وعلم أنه ما ناله ، وأما الثالث فهيهات أين يناله أحد ، ثم قال : فليس لمن تكلف ما لا يحسن غاية ينتهي إليها ولا له حد يقف عنده ، ومن كان تكلفه غير محدود فأخلق به أن يضل ويضل ، وإذا لم يكن إلى الإحاطة بالعلم من سبيل فلا عار أن تجهل بعضه ، وإذا لم يكن في جهل بعضه عار فلا تستح أن تقول لا أعلم فيما لا تعلم . إلى هنا كلام الماوردي .
( فهكذا كانت عادة الصحابة والسلف ) الصالحين ( رضي اللّه عنهم ) ثم بين ذلك بقوله :
( كان ) عبد اللّه ( بن عمر ) بن الخطاب رضي اللّه عنهما ( إذا سئل عن الفتوى قال : إذهب إلى هذا الأمير الذي تقلد أمور الناس فضعها في عنقه ) لأن الولاة هم الذين يقومون به وإليهم ترجع العامة . هكذا نقله صاحب القوت زاد وروى مالك عن أنس بن مالك ثم عن جماعة من الصحابة والتابعين اه .