ومنها : أن لا يكون مسارعا إلى الفتيا بل يكون متوقفا ومحترزا ما وجد إلى الخلاص سبيلا ، فإن سئل عما يعلمه تحقيقا بنص كتاب اللّه أو بنص حديث أو اجماع أو قياس جلي أفتى ، وإن سئل عما يشك فيه قال : لا أدري ! وإن سئل عما يظنه باجتهاد وتخمين احتاط ودفع عن نفسه وأحال على غيره إن كان في غيره غنية . هذا هو الحزم لأن تقلد خطر الاجتهاد عظيم . وفي الخبر : « العلم ثلاثة : كتاب ناطق وسنّة قائمة ولا
شرح
يتكلمون في بعض علماء الدنيا من أهل الكوفة وكان الفضيل ، وإبراهيم بن أدهم ، ويوسف بن أسباط يتكلمون في بعض علماء الدنيا من أهل مكة والشام كرهنا أن نسمي المتكلم فيهم لأن السكوت أقرب إلى السلامة إلى هنا كلامه . وقد اختصر المصنف كما ترى وهو اختصار مضر إذ الثوري وابن المبارك لم يتكلما في علماء مكة والشام وتفصيل ذلك يظهر لمن طالع تراجمهم في الحلية وغيرها ، ثم قال المصنف : ( إما لميلهم إلى الدنيا ) وإيثارهم إياها على الآخرة ، ( أو لمخالطتهم السلاطين ) والأمراء فكان كلامهم في هؤلاء نصيحة لهم في دين اللّه تعالى لا لغرض نفساني حماهم اللّه تعالى من ذلك .
( ومنها ) أي ومن علامات علماء الآخرة ( أن لا يكون متسارعا إلى الفتوى ) إذا سئل ( بل يكون متوقفا ) عن الإقدام عليه ( ومتحرزا ) أي صائنا نفسه عنه ( ما وجد إلى الخلاص ) منه ( سبيلا ) ومخلصا ( فإن سئل عما يعلمه تحقيقا بنص ) ظاهر ( من كتاب اللّه ) عز وجل ( أو بنص ) من ( حديث ) رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مما جاء عنه من طريق موثوق ( أو إجماع ) من فقهاء الأمصار ( أو قياس جلي ) دون الخفي ( أفتى ) لأنه أقدم عليه ببصيرة وتمكين وقطع بالأمر على علم وخبر وهذا هو اليقين . وهذه صفة العلماء الموثوق بعلمهم ، ( وإن سئل عما يشك فيه ) ولم يتحققه ( قال : لا أدري ) إخبارا عن صدق وهو مأجور فيه ، ( وإن سئل عما يظنه باجتهاد وتخمين ) وفي نسخة : اجتهادا ( احتاط ودفع عن نفسه وأحال على غيره ) ولا يوقع نفسه في حرج ، ( وإن كان في غيره غنية ) أي كفاية لمثل هذا المهم ( هذا ) الذي ذكرناه في أمر الفتيا ( هو الحزم لأن تقلد خطر الإجتهاد عظيم ) وله شروط وأركان ذكرناها بالتفصيل في باب بيان التلبيس في تشبيه هذه المناظرات من الكتاب ، وكذلك ذكرنا هناك مراتب المفتين .
( وفي الخبر : « العلم ثلاثة كتاب ناطق ) أي بين واضح ( وسنة قائمة ) أي ثابتة دائمة محافظ عليها معمول بها عملا متصلا وفي رواية : ماضية أي جارية مستمرة ( ولا أدري » ) أي قول المجيب لمن سأله عن مسألة لا يعلم حكمها : « لا أدري » هكذا أورده صاحب القوت . قال العراقي : أخرجه الدارقطني في غرائب مالك ، والخطيب في أسماء من روى عن مالك من رواية عمر بن عصام ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر موقوفا عليه . وقد رواه ابن عدي في الكامل في ترجمة أبي حذافة السهمي عن مالك قال : وهذا من منكرات أبي حذافة سرقة من عمر . قال