وكتب عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه إلى الحسن : أما بعد ؛ فأشر عليّ بأقوام أستعين بهم على أمر اللّه تعالى . فكتب إليه : أما أهل الدين فلا يريدونك وأما أهل الدنيا فلن تريدهم ولكن عليك بالأشراف فإنهم يصونون شرفهم أن يدنسوه بالخيانة . هذا في عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه ، وكان أزهد أهل زمانه ! فإذا كان شرط أهل الدين الهرب منه فكيف يستنسب طلب غيره ومخالطته ؟ ولم يزل السلف العلماء مثل الحسن والثوري وابن المبارك والفضيل وإبراهيم بن أدهم ويوسف بن أسباط يتكلمون في علماء الدنيا من أهل مكة والشام وغيرهم إما لميلهم إلى الدنيا وإما لمخالطتهم السلاطين .
شرح
عملوا فإذا عملوا شغلوا فإذا شغلوا فقدوا فإذا فقدوا طلبوا فإذا طلبوا هربوا . قال : أعد علي فأعاد فرجع عطاء ولم يلق هشاما .
( وكتب ) أمير المؤمنين أبو حفص ( عمر بن عبد العزيز ) بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي الأموي المدني ثم الدمشقي أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من تابعي أهل المدينة وصلى أنس خلفه وقال : ما رأيت أحدا أشبه بصلاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من هذا الفتى ، وكان ثقة مأمونا له فقه وعلم وورع ، وروى حديثا كثيرا وكان إماما عدلا رحمه اللّه ورضي عنه ، ومات سنة إحدى ومائة بدير سمعان ( إلى الحسن ) البصري ( رحمه اللّه تعالى ) قال صاحب القوت : حدثونا عن زكريا بن يحيى الطائي قال : حدثني عمي زحر بن حصين ان عمر بن عبد العزيز كتب إلى الحسن ( أما بعد : فأشر علي بقوم ) أي عرفني بهم أصاحبهم و ( أستعين بهم على أمر اللّه فكتب إليه ) الحسن بعد الحمدلة والصلاة ، ( أما أهل الدين فلا يريدونك ) أي لما أنت فيه من تحمل أعباء الملك ، ( وأما أهل الدنيا فلا تريدهم ) لميلهم إليها فلا ينصحونك ، ( ولكن عليك بالأشراف ) ذوي الأنساب الصريحة ( فإنهم يصونون شرفهم ) أي يحفظونه ( من أن يدنسوه ) أي يوسخوه ( بالخيانة ) في النصح في أوامر اللّه تعالى . ( هذا في عمر بن عبد العزيز وكان أزهد أهل زمانه ) وأعبدهم وأعلمهم . قال خصيف : ما رأيت رجلا قط خيرا منه ، وقال مجاهد : أتيناه نعلمه فما برحنا حتى تعلمنا منه ، وقال ميمون بن مهران : ما كانت العلماء عنده إلا تلامذة ( فإذا كان شرط أهل الدين ) والعلماء المتقين ( الهرب منه ) والفرار من مخالطته ( فكيف يستتب ) أي يستقيم ( طلب غيره ومخالطته ) وليس فيه شيء من تلك الأوصاف ، ( ولم يزل السلف ) الصالحون ( مثل الحسن ) البصري ، ( و ) سفيان ( الثوري و ) عبد اللّه ( ابن المبارك والفضيل ) بن عياض ، ( وإبراهيم بن أدهم ) الزاهد ، ( ويوسف بن أسباط يتكلمون في علماء الدنيا من أهل مكة والشام ) ونص القوت بعد ذكره جواب الحسن لعمر ابن عبد العزيز ما نصه : وكان الحسن يتكلم في بعض علماء البصرة ويذمهم ، وكان أبو حازم وربيعة المدنيان يذمان علماء بني مروان ، وقد كان الثوري ، وابن المبارك ، وأيوب ، وابن عون