تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 643

مساهمون:

ص٦٤٣
يغشى السلاطين وينفر عنهم . فقال له بنوه : يأتي هؤلاء من ليس هو مثلك في الصحبة والقدم في الإسلام فلو أتيتهم ، فقال : يا بني آتي جيفة قد أحاط بها قوم واللّه لئن استطعت لا أشاركهم فيها ، قالوا : يا أبانا إذا نهلك هزالا ، قال : يا بني لأن أموت مؤمنا مهزولا أحبّ إليّ من أن أموت منافقا سمينا . قال الحسن : خصمهم واللّه إذ علم أن التراب يأكل اللحم والسمن ، دون الإيمان . وفي هذا إشارة إلى أن الداخل على السلطان لا يسلم من النفاق البتة وهو مضاد للإيمان . وقال أبو ذر لسلمة : يا سلمة لا
شرح
أراد بهم خلفاء زمانه كالصديق والفاروق وذي النورين ، ولعل هذا في آخر أمره وإلا ففي أول أمره ابتلي بالإمارة والسياسة والحجابة والحراسة ففتح اللّه على يديه السواد والبلدان ، ومنح عدة من الإناث والذكران ، ثم رغب عن ذلك وآثر العزلة والرعاية وتلاقى ما بقي من عمره بالعناية ، وكان مجاب الدعوة مشهورا بذلك ، وكان أميرا على الكوفة فعزله عمر وولى عمارا ، ثم عزله وأعاد سعدا فأبى عليه ورام ابنه عمر بن سعد أن يدعو إلى نفسه بعد قتل عثمان فأبى ، وكذلك رامه ابن أخيه هاشم بن عقبة بن أبي وقاص فأبى فلحق هاشم بعلي ، وكان سعد ممن قعد ولزم بيته في الفتنة وأمر أهله أن لا يخبروه بشيء من أخبار الناس حتى تجتمع الأمة على إمام فقال له بنوه ) إبراهيم وعامر وعمر ومحمد ومصعب : ( يأتي هؤلاء ) أي الملوك ( من ليس له مثلك ) أي مثل مالك ( في الصحبة ) لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ( والقدم ) في الإسلام ( فلو أتيتهم ) أي واستفدت منهم ( فقال : يا بني ) بفتح الموحدة وكسر النون ( إن الدنيا جيفه ) أي مآلها كذلك ( وقد أحاط بها قوم ) يتجاذبونها ( واللّه لئن استطعت لا أشاركهم ) اي الداخلين على الأمراء ( فيها ) أي في تحصيلها ( قالوا يا أبانا : إذا نهلك هزلا ) أي فقرا وقلة ( قال يا بني : لأن أموت مؤمنا مهزولا أحب إلي من أن أموت منافقا سمينا ) ، فلم يزل رضي اللّه عنه في حال التقشف والصبر حتى لحق بربه معتزلا في قصره بالعقيق في سنة خمس وخمسين على المشهور ، وحمل على الأعناق ودفن بالبقيع وهو آخر العشرة موتا فهو قدوة من ابتلى في حاله بالتلوين وحجة من تحصن بالوحدة والعزلة من التفتين ( قال الحسن ) راوي الأثر : ( خصمهم واللّه ) أي غلبهم في الخصومة ( إذ علم أن التراب يأكل اللحم والسمن ) في القبر ( دون الإيمان ) فإنه محفوظ ، ( وفي هذا إشارة إلى أن الداخل على السلطان لا يسلم من النفاق ) والمداهنة ( البتة وهو ) أي النفاق ( مضاد الإيمان ) الكامل لا يجتمعان معا . ( وقال أبو ذر ) جندب بن جنادة الغفاري رضي اللّه عنه من السابقين أول من تكلم في علم البقاء والفناء ، وثبت على المشقة والعناء ، وحفظ العهود والوصايا ، وصبر على المحن والرزايا ، واعتزل البرايا إلى أن حل بساحة المنايا . مات معتزلا بالربذة سنة اثنين وثلاثين ، وصلى عليه عبد اللّه بن مسعود وكان يوازيه في العلم . وقدم ابن مسعود المدينة فمات بعده بعشرة أيام ( لسلمة ) بن عمرو بن الأكوع الأسلمي أبي مسلم ، ويقال : أبو إياس ، ويقال أبو عامر له صحبة