تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 644

مساهمون:

ص٦٤٤
تغش أبواب السلاطين فإنك لا تصيب شيئا من دنياهم إلا أصابوا من دينك أفضل منه . وهذه فتنة عظيمة للعلماء وذريعة صعبة للشيطان عليهم لا سيما من له لهجة مقبولة وكلام حلو ، إذ لا يزال الشيطان يلقي إليه أن في وعظك لهم ودخولك عليهم ما يزجرهم عن الظلم ويقيم شعائر الشرع إلى أن يخيل إليه أن الدخول عليهم من الدين ، ثم إذا دخل لم يلبث أن يتلطف في الكلام ويداهن ويخوض في الثناء والإطراء وفيه هلاك الدين . وكان يقال : العلماء إذا علموا عملوا فإذا عملوا شغلوا فإذا شغلوا فقدوا فإذا فقدوا طلبوا فإذا طلبوا هربوا .
شرح
ورواية . قال أبو نعيم : استوطن الربذة بعد قتل عثمان وتوفي سنة أربع وتسعين ( يا سلمة لا تغش أبواب السلاطين فإنك لا تصيب من دنياهم شيئا إلا أصابوا من دينك أفضل منه ) أي مما أصبت من دنياهم ، وهو كما قال الثوري . وإياك أن تخدع فيقال تدفع عن مظلوم ، فإن هذه خدعة إبليس اتخذها القراء سلما ، ( وهذه ) أي المخالطة للملوك ( فتنة للعلماء عظيمة ) طار شررها في الآفاق ( وذريعة ) أي وسيلة ( صعبة للشيطان عليهم ) يخدعهم بلطف احتياله بذلك ( لا سيما من له ) بهجة مرموقة و ( لهجة مقبولة ) أي فصاحة اللسان ( وكلام حلو ) يورده على ترتيب حسن ومناسبات قريبة مما تليق بمجالسهم ( لا يزال الشيطان يلقى إليه ) في روعه ( أن في وعظك لهم ) بهذه الصفة ( ودخولك عليهم ) بالإستمالة ( ما يزحزحهم ) أي يخرجهم ( من ) ارتكاب أنواع ( الظلم ) ويمنعهم من المحرمات ( ويقيم من شعائر الإسلام ) ويثبت حبة في قلوبهم ( إلى أن يخيل إليه ) في تخيلاته ( أن الدخول إليهم من ) جملة أمور ( الدين ) فلا حول ولا قوة إلا باللّه ، ( ثم إذا دخل ) باغواء إبليس ( لم يلبث أن ) يظهر الفصاحة ورفعة شأنه في العلم وفي أثنائه ( يتلطف في الكلام ) ويرققه ( ويداهن ) ويستميل ( ويخوض في الثناء ) عليه ( والإطراء ) بمدحه ، ( وفيه ) أي من مجموع ما ذكر ( هلاك الدين ) والخسران المبين . ( وكان يقال : العلماء إذا علموا عملوا فإذا علموا شغلوا ) أي باللّه تعالى وهو نتيجة العمل الصادق ( فإذا شغلوا ) باللّه ( فقدوا ) عن الأوصاف البشرية واتصفوا بالأوصاف الملكوتية ( فإذا فقدوا ) وحصلت لهم هذه المرتبة انزل اللّه حبهم في قلوب أهل السماء والأرض و ( طلبوا فإذا طلبوا هربوا ) من الخلق سلامة لدينهم وجمعا لخواطر قلوبهم . أورده صاحب القوت عن سفيان الثوري ولفظه : كان الناس إذا طلبوا العلم عملوا فإذا عملوا أخلصوا فإذا أخلصوا هربوا . وقال آخر : العالم إذا هرب من الناس فاطلبه وإذا طلب الناس فاهرب منه اه . وأخرج أبو نعيم في الحلية وابن عساكر في التاريخ من رواية الوليد بن مسلم عن الأوزاعي قال : قدم عطاء الخراساني على هشام ، فنزل على مكحول فقال لمكحول : ههنا أحد يحركنا . قال : نعم يزيد بن ميسرة فأتوه ، فقال عطاء : حركنا رحمك اللّه . قال : نعم كانت العلماء إذا علموا
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 644 | مرتضى الزبيدي