تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 632

مساهمون:

ص٦٣٢
يشق تركه ، واستدامة الزينة لا تمكن إلا بمباشرة أسباب في الغالب يلزم من مراعاتها ارتكاب المعاصي من المداهنة ومراعاة الخلق ومراآتهم وأمور أخرى هي محظورة ، والحزم اجتناب ذلك لأن من خاض في الدنيا لا يسلم منها البتة ولو كانت السلامة مبذولة مع الخوض فيها لكان صلّى اللّه عليه وسلّم لا يبالغ في ترك الدنيا حتى نزع القميص المطرز بالعلم ، ونزع خاتم الذهب في أثناء الخطبة إلى غير ذلك مما سيأتي بيانه .
شرح
اللَّهِ )[ الأعراف : 32 ] الآية . ( ولكن الخوض فيه يوجب الأنس به ) والميل إليه ( حتى يشق تركه ) ويصعب هجره لتمرن النفس عليه حتى تصير عادة غير منفكة وترك العادة صعب ، وأصل الزينة تحسين الشيء بغيره من لبسته أو حليته أو هيئته . وقال الراغب : الزينة الحقيقية ما لا يشين الإنسان في شيء من أحواله لا في الدنيا ولا في الآخرة ، أما ما يزينه في حالة دون حالة ، فهو من وجه شين وهي على ثلاثة أقسام نفسية وبدنية وخارجية الأولى كالعلم والاعتقادات الحسنة ، والثانية كالقوّة وطول القامة وحسن الوسامة ، والثالثة المال والجاه . والآية محمولة على القسم الأخير . ( واستدامة الزينة ) على الوجه الذي يرومها المزين ( لا تمكن ) ولا تتصور ( إلا بمباشرة أسباب ) وأمور خارجية ( في الغالب يلزم من مراعاتها ) والالتفات إليها ( ارتكاب ) أنواع ( المعاصي من ) أكبرها ( المداهنة ) في الحق ، ( و ) منها ( مراعاة الخلق ) في أحوالهم اجتماعا وافتراقا ( ومراءاتهم ) في أحواله ليكون معظما عندهم ، ( وأمور أخر هي محظورة ) شرعا ، ( والحزم ) كل الحزم ( اجتناب ذلك ) التزين الذي يؤدي إلى ما ذكر والعود إلى الاقتصاد ، فبه يملك رأس الأمر ( لأن من خاض في الدنيا ) وآثر أسبابها واشتغل بها ( لا يسلم منها البتة ) ، فلا بد لوازن العسل من لعق الأصابع ( و ) اعلم أنه ( لو كانت السلامة ) منها ( مبذولة ) أي حاصلة ( مع الخوض ) فيها ( لكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أولى بذلك وكان لا يبالغ في ترك الدنيا ) ورفض أسبابها ، ( حتى نزع القميص المطرز بالعلم ) أي المعلم بعلم . قال العراقي : المعروف نزعه للخميصة المعلمة اه . قلت : اطلاق القميص على الخميصة مجاز ، فإن القميص هو الثوب المخيط بكمين غير مفرج يلبس تحت الثياب ولا يكون من الصوف غالبا . والخميصة كساء أسود مربع له علمان ، فإن لم يكن معلما فليس بخميصة كما قاله الجوهري ، وكانت من لباس الناس قديما . قال العراقي : وحديث الخميصة أخرجه البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي في الكبرى ، وابن ماجة من رواية الزهري ، عن عائشة رضي اللّه عنها قالت صلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في خميصة لها اعلام فنظر إلى اعلامها نظرة فلما سلم قال : « اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي وائتوني بانبجانية أبي جهم بن حذيفة » . لفظ البخاري اه . قلت : رويناه في أول الحربيات من حديث سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، وهشام بن عروة .