إذ اعترف أن ترك ذلك خير من الدخول فيه وأفتى بأنه مباح وقد صدق فيهما جميعا ، ومثل مالك في منصبه إذا سمحت نفسه بالإنصاف والاعتراف في مثل هذه النصيحة فتقوى أيضا نفسه على الوقوف على حدود المباح حتى لا يحمله ذلك على المراءاة والمداهنة والتجاوز إلى المكروهات ، وأما غيره فلا يقدر عليه ، فالتعريج على التنعم بالمباح خطر عظيم وهو بعيد من الخوف والخشية وخاصية علماء اللّه تعالى الخشية ، وخاصية الخشية التباعد من مظان الخطر .
ومنها : أن يكون مستقصيا عن السلاطين فلا يدخل عليهم البتة ما دام يجد إلى الفرار عنهم سبيلا بل ينبغي أن يحترز عن مخالطتهم وإن جاؤوا إليه ، فإن الدنيا حلوة
شرح
بما نسب إليه ، ولو كتب هذا إلى أقل علماء زماننا بأقل من ذلك لاشمأز واحتد غضبا ولم يرد الجواب . فقال من جملة اعترافه : وإني لأعلم ( ان ترك ذلك خير من الدخول فيه وأفتى بأنه مباح ) أي مما أباح اللّه به لعباده وليس هو في حد المحرمات ( وقد صدق ) رحمه اللّه تعالى ( فيهما جميعا ) أي في الإباحة المفهومة من نص الآية الشريفة وفي أولوية ترك الخوض والدخول في العلائق الدنيوية وإن كانت مباحة ، ( ومثل مالك ) وناهيك به ( إذا سمحت نفسه بالانصاف ) منها ( والاعتراف ) بالانكسار ( في مثل هذه النصيحة ) المفيدة ( فتقوى أيضا نفسه على الوقوف على حدود المباح ) فلا يتجاوزها ( حتى لا يحمله ذلك على المراءاة ) مع الخلق ( والمداهنة ) في الحق ( و ) على ( التجاوز ) منها ( إلى ) الوقوع في ( المكروهات ) لعلو مقامه واستغراقه في حضرة الحق سبحانه ، ( وأما غيره فلا يقدر عليه ) فإن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، ( فالتعريج ) أي الميل ( على التنعم في المباح ) والوقوف عليه ( خطر عظيم ) ووبال جسيم إلا من عصمه اللّه وأيد بالتوفيق وكحلت بصيرته بالتأييد ( وهو بعيد من ) مقامي ( الخوف ) من اللّه ( والخشية ) له ( وخاصية علماء اللّه تعالى ) التي لا تنفك عنهم في حال من الأحوال ( الخشية ) إذ هي ثمرة علمهم باللّه تعالى ، ( وخاصية الخشية التباعد من مظان الخطر ) والاقتصار على أقل الضرورات ، وهو مقام النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، ففي الحديث : « لا يكون العبد من المتقين حتى يدع ما لا بأس به محافة ما به بأس » .
وفي تاريخ الذهبي . قال إسماعيل بن أبي أويس كتب عبد اللّه بن عبد العزيز العمري إلى مالك وابن أبي ذئب وغيرهما بكتب أغلظ لهم فيها وقال : أنتم علماء تميلون إلى الدنيا وتلبسون اللين وتدعون التقشف ، فكتب له ابن أبي ذئب كتابا أغلظ له وجاوبه مالك جواب فقيه .
( ومنها ) : أي ومن العلامات اللازمة لعلماء الآخرة ( أن يكون مستقصيا عن ) مخالطة ( السلاطين ) ومن في معناهم من الأمراء والحكام ( بل لا يدخل عليهم البتة ) أي بوجه من الوجوه ( ما دام يجد إلى الفرار عنهم سبيلا ) ومخلصا وممكنا ، ( بل ينبغي أن يحترز عن مخالطتهم ) ومخاللتهم ( وإن جاؤوا إليه ) أي لزيارته . ( فإن الدنيا حلوة خضرة ) نضرة