ضربت إليك المطي وارتحل إليك الناس واتخذوك إماما ورضوا بقولك فاتق اللّه تعالى يا مالك وعليك بالتواضع . كتبت إليك بالنصيحة مني كتابا ما اطلع عليه غير اللّه سبحانه وتعالى والسلام » . فكتب إليه مالك : « بسم اللّه الرحمن الرحيم وصلى اللّه على محمد وآله وصحبه وسلّم . من مالك بن أنس إلى يحيى بن يزيد سلام اللّه عليك أما بعد ؛ فقد وصل إليّ كتابك فوقع مني موقع النصيحة والشفقة والأدب أمتعك اللّه بالتقوى وجزاك بالنصيحة خيرا واسأل اللّه تعالى التوفيق ولا حول ولا قوّة إلا باللّه العليّ العظيم ، فأما ما ذكرت لي أني آكل الرقاق وألبس الدقاق واحتجب وأجلس على الوطيء فنحن نفعل ذلك ونستغفر اللّه تعالى ، فقد قال اللّه تعالى :
( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ )
[ الأعراف : 32 ] وإني لأعلم أن ترك ذلك خير من الدخول فيه ولا تدعنا من كتابك فلسنا ندعك من كتابنا والسلام ، فانظر إلى إنصاف مالك
شرح
وتفيده ( وضربت إليك المطيّ ) أي بأكبادها ( وارتحل الناس ) إليك لأخذ العلم ( فاتخذوك إماما ) وقدوة في دينهم ( ورضوا بقولك ) الذي تذهب إليه ( فاتّق اللّه ) في نفسك ( يا مالك وعليك بالتواضع ) . وقد ( كتبت إليك بالنصيحة مني كتابا ) هو هذا الكتاب ( ما اطلع عليه إلا اللّه تعالى ) . وهكذا تكون النصائح إذا كانت للّه تعالى لا لغرض ولا علة ( والسلام ) عليك . ( فكتب إليه مالك ) لأن من السنة ردّ جواب الكتاب ( « بسم اللّه الرحمن الرحيم . من مالك بن أنس إلى يحيى بن يزيد سلام عليك أما بعد ؛ فقد وصل إليّ كتابك ) فقرأته ( فوقع مني موقع النصيحة والإشفاق والأدب ) أي مع اللّه تعالى ( أمتعك اللّه بالتقوى ) أي أطال إيناسك به ( وجزاك بالنصيحة ) في اللّه ( خيرا وأسأل اللّه التوفيق ) أي لمرضاته ، ( ولا حول ولا قوّة إلا باللّه العلي العظيم . فأما ما ذكرت لي ) أي في كتابك ( أني آكل الرقاق وألبس ) الثياب ( الدقاق واحتجب ) عن الناس ( واجلس على ) الفرش ( الوطيء فنحن نفعل ذلك ) أي يصدر منا ذلك أحيانا من غير تصميم عليه ، ( ونستغفر اللّه ) تعالى من ذلك كله ، ( وقد قال اللّه عز وجل ) في كتابه العزيز :( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ )[ الأعراف : 32 ] وقد استدل بهذه الآية على قول الأصوليين أن الأصل في المنافع الإباحة ، وفي المضار التحريم ، فإنه يدل على الذم بسبب تحريم زينة اللّه المخرجة لعباده ، وإذا ورد الذم على التحريم لم يكن حراما فيكون مباحا ، والمراد من الطيبات ما يستطاب طبعا وهو النافع فيكون مباحا ، وليس المراد منها الحلال وإلا لزم التكرار في قوله :( أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ) *قاله القزويني في شرح المنهاج ، ( وإني لأعلم ) يقينا ( أن ترك ذلك ) جملة ( خير من الدخول فيه ) والركون إليه ( ولا تدعنا ) أي لا تهملنا ( من كتابك ) أي من إرساله إلينا ، ( فلسنا ندعك ) نتركك ( من كتابنا والسلام ) هذا آخر الجواب . ( فانظر ) وتأمل ( إلى انصاف ) الإمام ( مالك ) وأدبه مع اللّه تعالى ( إذ اعترف )