ومنها : أن تكون عنايته بتحصيل العلم النافع في الآخرة المرغب في الطاعة مجتنبا للعلوم التي يقل نفعها ويكثر فيها الجدال والقيل والقال . فمثال من يعرض عن علم الأعمال ويشتغل بالجدال مثل رجل مريض به علل كثيرة وقد صادف طبيبا حاذقا في وقت ضيق يخشى فواته ، فاشتغل بالسؤال عن خاصية العقاقير والأدوية وغرائب الطب وترك مهمة الذي هو مؤاخذ به وذلك محض السفه . وقد روي « أن رجلا جاء رسول
شرح
كفره ولكن أتخوف عليكم منافقا عالم اللسان يقول ما تعرفون ويعمل ما تنكرون » وقال : لا يروى عن علي إلا بهذا الأسناد . والحرث الأعور ضعيف .
قلت : لكن وثقه ابن حبان ، وكذلك رواه إسحاق بن راهويه في مسنده بسند ضعيف لجهالة التابعي ، ورواه أيضا من طريق إسحاق الفروي وهو ضعيف عن سعيد بن المسيب قال ، قال رجل بالمدينة في حلقة : أيكم يحدثني عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حديثا ؟ فقال علي : أنا سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول فذكره وفيه : ولكن رجلا بينهما يقرأ القرآن حتى إذا دلق به يتأوّله على غير تأويله فقال ما تعلمون وعمل ما تنكرون فضل وأضل .
ثم قال العراقي وأما حديث عمران بن حصين : رواه أحمد وابن حبان من رواية عبد اللّه بن بريدة عنه رفعه بلفظ « أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان » اللفظ لأحمد . وقال ابن حبان : جدال منافق اللسان ، وذكر الدارقطني في العلل انه رواه عن معاذ بن معاذ ، عن حسين المعلم ، عن ابن بريدة ، عن عمران رفعه . قال : ووهم فيه . قال : ورواه عبد الوهاب بن عطاء ، وروح بن عبادة وغيرهما عن حسين ، عن ابن بريدة ، عن عمر وهو الصواب في قصة طويلة . قال العراقي : وهو عند ابن حبان من رواية خالد بن الحرث عن حسين المعلم مثل معاذ اه .
قلت : تقدم رواية ابن بريدة عن عمر ، وهكذا رواه إسحاق بن راهويه والحرث ومسدد .
( ومنها ) أي : ومن العلامات المميزة بين علماء الدنيا والآخرة ( أن تكون عنايته ) وهمته ( بتحصيل العلم النافع في الآخرة ) لا غير ، ( و ) كذلك العلم ( المرغب في الطاعة ) حالة كونه ( متجنبا للعلوم التي يقل نفعها ) ولا يحتاج إليها في أكثر الحالات ( و ) هي العلوم التي ( يكثر فيها الجدال ) والخصومات ( والقيل والقال ) ، حتى يؤدي إلى تمزيق الثياب والمسافهة والمصافعة بالأكف والنعال ، ( فمثال من يعرض عن علم الأعمال ويشتغل ) عنها ( بالجدال ) وعلم القيل والقال ( مثال رجل مريض به علل كثيرة وقد صادف ) أي وجد ( طبيبا حاذقا ) أي ماهرا بفنه ( في وقت ضيق يخشى فواته ) بسفره أو غيره ( فاشتغل بالسؤال عن ) مسائل مثل ( خاصية العقاقير والأدوية ) أي مفرداتها ( وغرائب الطب ) ونوادره التي لا يحتاج إليها ( وترك مهمة الذي هو ) مقصود له و ( مؤاخذ به ) لدفع علله ، ( وذلك محض السفه ) وعين الحماقة وقلة الادراك في تصوره .