تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 618

مساهمون:

ص٦١٨
والعلماء همتهم الرعاية . وقال مالك رحمه اللّه : إن طلب العلم لحسن وإن نشره لحسن إذا صحت فيه النية ، ولكن انظر ما يلزمك من حين تصبح إلى حين تمسي فلا تؤثرون عليه شيئا . وقال ابن مسعود رضي اللّه عنه : أنزل القرآن ليعمل به فاتخذتم دراسته عملا ، وسيأتي قوم يثقفونه مثل القناة ليسوا بخياركم والعالم الذي لا يعمل كالمريض الذي يصف الدواء وكالجائع الذي يصف لذائذ الأطعمة ولا يجدها . وفي مثله قوله
شرح
الرواية والعلماء همتهم الدراية ) . وهذه الجملة أخرجها الخطيب في الاقتضاء من رواية لوين قال : حدثني أبو محمد الإطرابلسي ، عن أبي معمر ، عن الحسن قال : همة العلماء الرعاية وهمة السفهاء الرواية . وأخرج من طريق صالح بن رستم قال ، قال قلابة لأيوب يا أيوب لا تكونن إنما همك أن تحدث به الناس ، وفي القوت وقد كان الحسن يقول : إن اللّه لا يعبأ بصاحب رواية إنما بصاحب فهم ودراية . وقال أيضا : من لم يكن له عقل يسوسه لم تنفعه كثرة رواية الحديث . ( وقال مالك ) بن أنس رحمه اللّه تعالى حين سئل عن حديث طلب العلم فريضة على كل مسلم ، فقال في الجواب : ( إن طلب العلم لحسن وان نشره لحسن إذا صحت فيه النية ، ولكن أنظر ما يلزمك من حين تصبح إلى حين تمسى ) ومن حين تمسى إلى حين تصبح ( فلا تؤثرون عليه شيئا ) . وقد روي عنه هذا الكلام من ثلاثة طرق بألفاظ مختلفة والمعنى واحد من رواية ابن وهب ، وابن الماجشون ، ومحمد بن معاوية الحضرمي ، وقد تقدم في أوّل الكتاب . أورده صاحب القوت في الفصل الثاني من كتاب العلم من رواية ابن وهب قال : ذكر طلب العلم عند مالك فقال فذكره . ( وقال ) أبو عبد الرحمن عبد اللّه ( بن مسعود ) رضي اللّه عنه : ( نزل القرآن ليعمل به فاتخذتم دراسته عملا وسيأتي قوم يثقفونه ) أي يعدلونه باخراج الحروف من مخارجها ( مثل القنا ) أي الرمح حين يثقفه الرماح أولئك ( ليسوا بخياركم ) . هكذا أورده صاحب القوت قال : وفي لفظ آخر يقيمونه إقامة القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه . وأخرج الخطيب في كتاب الاقتضاء من رواية عبد الصمد بن يزيد قال : سمعت الفضيل يقول : إنما نزل القرآن ليعمل به فاتخذ الناس قراءته عملا قال ، قيل كيف العمل به ؟ قال : أي ليحلوا حلاله ويحرموا حرامه ويأتمروا بأوامره وينتهوا عن نواهيه ويقفوا عند عجائبه . ( و ) مثل ( العالم الذي ) يعلم و ( لا يعمل ) بعلمه . ( كالمريض الذي يصف الدواء ) بلسانه عن علم فيه ولا يستعمله ، ( وكالجائع الذي يصف لذائذ الأطعمة ) بأنواعها يصف كيفية صنعها وتركيبها ( ولا يجدها ) قال صاحب القوت : فمثل العالم يعلم غيره مثل الواصف لأحوال الصالحين العارف بمقامات الصديقين ولا حال له ولا مقام فليس يعود عليه من وصفه إلا الحجة بالعلم والكلام ، وسبق العلماء باللّه في الحجة بالأعمال والمقام ( وفي مثله قال تعالى :وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ )[ الأنبياء : 18 ] وقال تعالى :( كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا )[ البقرة : 20 ] لا يرجع إلى بصيرة في طريقه بما اشتبه عليه من ظلمات الشبه مما اختلف العلماء فيه ولا يتحقق
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 618 | مرتضى الزبيدي