تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 595

مساهمون:

ص٥٩٥
تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا )
[ آل عمران : 187 ] . وقال تعالى في علماء الآخرة :
( إِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ )
[ آل عمران : 199 ] . وقال بعض السلف : العلماء يحشرون في زمرة الأنبياء ، والقضاة يحشرون في زمرة السلاطين . وفي معنى القضاة كل فقيه قصده طلب الدنيا بعلمه . وروى أبو الدرداء رضي اللّه عنه ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « أوحى اللّه عز وجل إلى بعض الأنبياء : قل للذين يتفقهون لغير الدين ويتعلمون لغير العمل ويطلبون الدنيا
شرح
قوله :( فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا )فبئس ما يشترون [ آل عمران : 187 ] فقوله( فَنَبَذُوهُ )أي تركوه ورموه وراء ظهورهم ولم يعملوا به ولبوا به متاع الدنيا الفانية ، فهذا أكلهم الدنيا بالعلم . ( وقال في ) وصف ( علماء الآخرة :وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ )أي من الأحكام وغيرها ( خاشعين للّه إلى قوله أجرهم عند ربهم ) أي قوله :( لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ )[ آل عمران : 199 ] وأخرج أبو نعيم في الحلية بسنده إلى الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى :( وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا )[ البقرة : 41 ] قال : لا تأخذ على ما علمته أجرا فإنما أجر العلماء والحكماء والحلماء على اللّه ، وهم يجدونه مكتوبا عندهم يا ابن آدم علم مجانا كما علمت مجانا . وقال صاحب القوت : ومما يدلك على الفرق بين علماء الدنيا وعلماء الآخرة أن كل عالم بعلم إذا رآه من لا يعرفه لم يتبين عليه أثر علمه ولا عرف أنه عالم إلا العلماء باللّه عز وجل ، فإنما يعرفون بسيماهم للخشوع والسكينة والتواضع والذلة ، فهذه صبغة اللّه لأوليائه ولبسة للعلماء به( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً )[ البقرة : 138 ] كما قال : ما ألبس اللّه عز وجل لبسة أحسن من خشوع في سكينة هي لبسة الأنبياء وسيما العلماء ، فمثلهم في ذلك كمثل الصناع إذ كل صانع لو ظهر لمن لا يعرفه لم يعرف صنعته دون سائر الصنائع ، ولم يفرق بينه وبين الصناع إلا الصناع فإنه يعرف بصنعته لأنها ظاهرة عليه إذ صارت له لبسة وصفة لالتباسها بمعاملته فكانت سيماه . ( وقال بعض السلف ) أي من العلماء المتقدمين ( العلماء يحشرون في زمرة الأنبياء ) أي لكونهم ورثتهم ، ( والقضاة يحشرون في زمرة السلاطين ) لكونهم حكاما بين الناس فسبيلهم سبيل الملوك والسلاطين . هكذا أخرج هذا القول صاحب القوت . قال المصنف : ( وفي معنى القضاة كل فقيه قصده طلب الدنيا بعلمه ) أي فيكون حشره مع السلاطين . وقال صاحب القوت : ومثل العالم مثل الحاكم وقد قسم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الحكام ثلاثة أقسام . فقال : « القضاة ثلاثة » الحديث . ( وروى أبو الدرداء ) عويمر بن عامر رضي اللّه عنه تقدمت ترجمته ( أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : أوحى اللّه إلى بعض الأنبياء قل للذين يتفقهون لغير الدين ويتعلمون لغير العمل
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 595 | مرتضى الزبيدي