تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 593

مساهمون:

ص٥٩٣
وقال عيسى عليه السلام : كيف يكون من أهل العلم من مسيره إلى آخرته وهو مقبل على طريق دنياه ، وكيف يكون من أهل العلم من يطلب الكلام ليخبر به لا ليعمل به ؟
شرح
أحدهم لا يعرف من الصحاح حديثا وتراه يذكر من الطرق الغريبة والأسانيد العجيبة التي أكثرها موضوع وجلها مصنوع مما لا ينتفع به ، وهذه العلة هي التي قطعت أكثر العلماء عن التفقه واستنباط الأحكام كفعل من رغب عن سماع السنن من المحدثين وشغلوا أنفسهم بتصانيف المتكلمين ، فكلا الطائفتين ضيع ما يعنيه وأقبل على ما لا فائدة فيه ، ثم إن علو الإسناد عند حذاق المحدثين إنما يعتبر بعدالة رجال الإسناد لا القرب مطلقا وإلا فقد يكون نزولا ، ففي مشيخة عبد الرحمن بن علي الثعلبي تخريج الحافظ العراقي بسنده إلى ابن المبارك قال : ليس جودة الحديث قرب الإسناد ، جودة الحديث صحة الرجال ، وأنشد الحافظ أبو طاهر السلفي لنفسه :ليس حسن الحديث قرب رجال * عند أرباب علمه النقاد بل علو الحديث بين أولى الحف * ظ والإتقان صحة الإسناد وإذا ما تجمعا في حديث * فاغتنمه فذاك أقصى المراد( وتطلب الحديث ) الشاذ المنكر ، وإليه يشير قول عبد اللّه بن إدريس : كنا نقول الإكثار من الحديث جنون . قال الطنافسي الراوي عنه صدق وكذا تطلب ( الذي لا يحتاج إليه في طريق الآخرة ) . قال ابن وهب : يذكر عن مالك قال : ما أكثر أحد من الحديث فانجح . وقال عبد الرزاق : كنا نظن أن كثرة الحديث خير ، فإذا هو شر كله . وقال المروزي : سمعت أحمد ابن حنبل يقول : تركوا الحديث وأقبلوا على الغرائب ما أقل الفقه فيهم ، وقد سبق إنكار ابن القيم قول الداراني هذا وتقرير المصنف إياه ، وسبق أيضا الجواب عنه في خلال فصول المقدمة . ( وقال ) أبو نعيم في الحلية : حدثنا أبي حدثنا محمد بن إبراهيم بن الحكم ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدوركي ، حدثنا سعيد بن عامر ، حدثنا هشام صاحب الدستوائي قال : قرأت في كتاب بلغني أنه من كلام ( عيسى ) بن مريم ( عليه السلام ) تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير العمل ولا تعملون للآخرة وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل ، ويلكم علماء السوء الأجر تأخذون والعمل تضيعون ، يوشك رب العمل أن يطلب عمله ( كيف يكون من أهل العلم من سيره إلى آخرته وهو مقبل على دنياه ) وما يضره أشهى إليه ، أو قال أحب إليه مما ينفعه . ( و ) قال أبو نعيم أيضا : حدثنا أبي ، حدثنا إبراهيم بن محجن بن الحسن ، حدثنا الفضل بن الصباح ، حدثنا أبو عبيدة الحداد ، عن هشام الدستوائي قال : كان عيسى عليه السلام يقول : معشر العلماء ( كيف يكون من أهل العلم من يطلب الكلام ليخبر به ) و ( لا ) يطلبه ( ليعمل به ) ، والعلم فوق رؤوسكم والعمل تحت أقدامكم فلا أحرار كرام ولا عبيد أتقياء . ( وقال صالح بن كيسان ) أبو الحرث ( البصري ) كذا في النسخ ، والصواب النضري بفتح النون والضاد المعجمة المحركة منسوب إلى بني النضير قاله ابن أبي حاتم ، وهو مدني نزيل البصرة ، روى عن أبيه وغيره ، ومحمد بن كعب ، وهشام بن عبدة وغيرهم ، وعنه سعيد بن محمد الوراق ، وعابد بن
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 593 | مرتضى الزبيدي