تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 590

مساهمون:

ص٥٩٠
كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا )
[ الإسراء : 74 ] . وقال سهل رحمه اللّه : العلم كله دنيا
شرح
أي تميل( إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا )[ الإسراء : 74 ] . وقد رويت مثل مقالة سفيان وبشر أخبار عن أساطين العلماء ، فربما أشكلت على سامعيها ، ونحن نبين لك ونجيب عنه على حسب الاختصار ، فمن ذلك يذكر عن الفضيل قال ، قال المغيرة : ما طلب أحد هذا الحديث إلا قلّت صلاته ، ويروى عن شعبة بن الحجاج أن هذا الحديث يصدكم عن ذكر اللّه وعن الصلاة ، فهل أنتم منتهون . ويروى عن الشعبي أنه قال : لوددت أني لم أتعلم من هذا العلم شيئا . ويروى عن الأعمش : لأن أتصدق بكسرة أحب إلي من أن أحدث بسبعين حديثا . ويروى عنه أيضا ما في الدنيا شر من أصحاب الحديث . قال أبو بكر بن عياش الراوي عنه فأنكرتها عليه حتى رأيت منهم ما أعلم ، ويروى عن محمد بن هشام العيشي قال : كنا نأتي أبا بكر بن عياش ، فإذا كان طيب النفس قال حين رآنا خير قوم على وجه الأرض يحيون سنة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإذا أتيناه على غير ذلك يقول ، شر قوم على وجه الأرض عقوا الآباء والأمهات وتركوا الصلوات في الجماعات إلى غير ذلك من أقوال رويناها بالأسانيد . أما الجواب عن كلام بشر بن الحرث فقد تقدم في ترجمته أنه دفن كتبه وترك الحديث وأقبل على العبادة فلكراهته ذلك قال ما قال ، وأخرج الخطيب في شرف أصحاب الحديث بسنده إلى محمد بن نعيم بن الهيصم قال : رأيت بشر بن الحرث وقد جاء أصحاب الحديث فقال لهم بشر : ما هذا الذي أرى معكم قد أظهرتموه ؟ قالوا : يا أبا نصر ، نطلب العلم لعل اللّه ينفع به قوما . قال : علمتم أنه يجب عليكم فيه زكاة كما يجب على أحدكم إذا ملك مائتي درهم خمسة دراهم ، فكذلك يجب على أحدكم إذا سمع مائتي حديث فليعمل منها بخمسة أحاديث ، وإلا فانظروا إيش يكون هذا عليكم غدا . وأخرج أيضا في كتاب الاقتضاء بسنده إلى أبي بكر عبد اللّه بن جعفر قال : سمعت أحمد بن حنبل ، وسئل عن رجل يطلب الحديث فيكثر قال : ينبغي أن يكثر العمل به على قدر زيادته في الطلب ، ثم قال : سبيل العلم سبيل المال إن المال إذا زاد زادت زكاته ، فذم بشر للحديث وطلبه ليس لذاته ، بل لما يعرض له من عدم القيام بحقوق واجباته . وأما سفيان فإنما قال ما قال منعا للناس عن الشهوة الخفية والركون إليها ، وخوفا على نفسه أن لا يكون قام بحق الحديث والعمل به ، فخشي أن يكون ذلك حجة عليه ، كما خاف من ذلك بشر بن الحرث ، وكان حب الإسناد وشهوة الرواية غلبا على قلب سفيان حتى كان يحدث عن الضعفاء ومن لا يحتج بروايته ، فخاف على نفسه من هذا ومن ذلك قول شعبة نعم الرجل سفيان لولا أنه يقمش يعني يأخذ من الناس كلهم ، وكأنه أراد بقوله ذم من يطلب شواذ الحديث وغرائبه والإكثار من طلب الأسانيد الغريبة والطرق المستنكرة ، وليس يجوّز الظن بالثوري أنه قصد بقوله الذي قاله صحاح الحديث ومعروف السنن ، وكيف يكون ذلك وهو القائل : أكثروا من الأحاديث فإنها سلاح ، وقال : ينبغي للرجل أن يكره ولده في طلب الحديث ، فإنه مسؤول