تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 584

مساهمون:

ص٥٨٤
ومن لا يعلم مضادة الدنيا للآخرة وان الجمع بينهما طمع في غير مطمع ؟ فهو جاهل بشرائع الأنبياء كلهم ، بل هو كافر بالقرآن كله من أوّله إلى آخره ، فكيف يعد من زمرة العلماء ؟ ومن علم هذا كله ثم لم يؤثر الآخرة على الدنيا فهو أسير الشيطان قد أهلكته شهوته وغلبت عليه شقوته فكيف يعد من خرب العلماء من هذه درجته ؟ وفي أخبار داود عليه السلام حكاية عن اللّه تعالى : إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوته على محبتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي ، يا داود لا تسأل عني عالما قد أسكرته الدنيا فيصدك عن طريق محبتي أولئك قطاع الطريق على عبادي ، يا داود إذا رأيت لي طالبا فكن له خادما ، يا داود من رد إليّ هاربا كتبته جهبذا ، ومن كتبته جهبذا لم أعذبه
شرح
إيمان لمن لا عقل له ولا دين لمن لا عقل له » . ( ومن لا يعلم مضادة الدنيا للآخرة و ) من لا يعلم ( أن الجمع بينهما طمع في غير مطمع ) أي في غير محله ، وفيه رد على من يزعم أنه يجمع بينهما مع إعطاء كل منهما حقه . كلا واللّه ( فهو جاهل بشريعة الأنبياء عليهم السلام كلهم ) أي بأسرارها وإذ قد ركز في قلبه ذلك فإزالته مستصعب إلا بتوفيق من اللّه وعنايته ، ( بل هو كافر بالقرآن كله من أوله إلى آخره ) ، لأنه مصرح من أوله إلى آخره بأحكامه وقصصه وأمثاله ومواعظه على حقارة الدنيا وعظم أمر الآخرة ، فهو يقرأه باللسان ولا يجاوز إلى قلبه ، ( فكيف يعد ) هذا الذي شأنه كذا ( من زمرة العلماء ) الأبرار . كلا واللّه حتى يلج الجمل في سم الخياط . ( ومن علم هذا كله ثم لم يؤثر الآخرة على الدنيا فهو أسير ) حبائل ( الشيطان ) مغرور في نفسه قد مسخه اللّه تعالى لا يبالي اللّه به بالة بأي واد هلك ( قد أهلكته شهوته ) النفسانية بغلبتها عليه وأوثقته معاصيه ، ( وغلبت عليه شقوته ) فلا يقبل العلاج ، ( فكيف يعد من أضراب العلماء من هذه درجته ) عند اللّه وهذه رتبته ومنزلته :لقد أسمعت لو ناديت حيا * ولكن لا حياة لمن تنادي( وفي أخبار ) النبي ( داود ) بن إيشا بن عبيد بن بهيس بن قارب بن يهوذا بن يعقوب عليهم السلام ، وذلك فيما أورده صاحب القوت ما لفظه : إن اللّه تعالى أوحى إليه يا داود ( إن أدنى ما أصنع بالعلم إذا آثر ) أي اختار ( شهوته على محبتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي يا داود لا تسأل عني عالما ) ولفظ القوت : لا تسألن عني عالما قد ( أسكرته الدنيا ) أي جعلته كهيئة السكران ( فيصدك ) أي يمنعك ( عن طريق محبتي أولئك قطاع الطريق على عبادي ) ولفظ القوت : قطاع طريق عبادي المريدين . ( يا داود ، إذا رأيت لي طالبا فكن له خادما يا داود : من رد إليّ هاربا كتبته ) عندي ( جهبذا ) هو بالكسر النقاد الخبير بغوامض الأمور البارع العارف بطرق النقد ، وهو معرب صرح به الشهاب الخفاجي وابن التلمساني . كذا في شرحي على القاموس ، وفي عبارات بعضهم هو الحاذق الكيس ، ( ومن كتبته جهبذا لم أعذبه