تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 583

مساهمون:

ص٥٨٣
ككفتي الميزان مهما رجحت إحداهما خفت الأخرى ، وأنهما كالمشرق والمغرب مهما قربت من أحدهما بعدت عن الآخر ، وأنهما كقدحين أحدهما مملوء والآخر فارغ فبقدر ما تصب منه في الآخر حتى يمتلئ يفرغ الآخر . فإن من لا يعرف حقارة الدنيا وكدورتها وامتزاج لذتها بألمها ثم انصرام ما يصفو منها فهو فاسد العقل ، فإن المشاهدة والتجربة ترشد إلى ذلك ، فكيف يكون من العلماء من لا عقل له ؟ ومن لا يعلم عظم أمر الآخرة ودوامها فهو كافر مسلوب الإيمان ، فكيف يكون من العلماء من لا إيمان له
شرح
والبياض ، وشرط في المتضادين أن يكونا تحت جنس واحد وينافي كل الآخر في أوصافه الخاصة ، ثم بين ذلك بقوله : ( وأنهما كالضرتين ) ومن شأنهما أنك إن ( أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى ) . أخرج أبو نعيم في الحلية في ترجمة وهب بن منبه بسنده إليه قال : مثل الدنيا والآخرة كمثل ضرتين إن أرضيت إحداهما سخطت الأخرى ، ثم زاد إيضاحا فقال : ( وانهما ككفتي الميزان مهما رجحت إحداهما خفت الأخرى ، وأنهما كالمشرق والمغرب مهما قربت من أحدهما بعدت من الآخر ) . وهذه الثلاثة الأمثال في الدنيا من كلام علي رضي اللّه عنه كما قاله الراغب في الذريعة ، ( وانهما كقدحين أحدهما مملوء ) من الماء مثلا ( والآخر فارغ ) منه ، ( فبقدر ما تصبه في الآخر حتى يمتلئ يفرغ الآخر ) . وهذه الجملة الأخيرة وجدتها في القوت في آخر المجلد الأول ما لفظه : وكان ابن عمر يقول : إذا ذكر الدنيا والآخرة واللّه إنهما بمنزلة قدحين ملىء أحدهما فما هو إلا أن تفرغ أحدهما في الآخر . قال صاحب القوت : يعني انك إن امتلأت بالدنيا تفرغت من الآخرة ، وإن امتلأت بالآخرة فرغت من الدنيا ، وإن كان لك ثلث قدح الآخرة أدركت ثلثي قدح الدنيا ، وإن كان لك ثلثي قدح الآخرة يكون لك ثلثه في الدنيا ، وحينئذ قال : وهذا تمثيل حسن وتعديل صحيح اه . وهذه أمثلة ضربها في مباينة الدنيا مع الآخرة ومباينة سالكيها ، وإن كانت الدنيا جعلت وسيلة للآخرة فما يصح عليه وصف الضدية الذي هو شغل العبد عن مولاه وقطعه عن السلوك إليه وما لا فليس بضد فإن من أمورها ما يتوسل به إلى اللّه تعالى ، وقد تقدم تحقيقه في أثناء كلام المصنف في أوائل الكتاب ، ( فإن من لا يعلم حقارة الدنيا وكدورتها وامتزاج لذتها ) الحسية ( بألمها ) الأبدي ( ثم انصرام ما يصفو منها ) سريعا ( فهو فاسد العقل ) محتاج إلى الارشاد والتهذيب ، ( فإن المشاهدة ) بعين البصر ( والتجربة ) من أهلها ( ترشد إلى ذلك ) ولا برهان أعظم منها ، ( فكيف يكون من العلماء ) أي كيف يعد في زمرتهم ( من لا عقل له ) صحيح ؟ ( ومن لا يعلم عظم أمر الآخرة ودوامها ) وانصرام أمور الدنيا بأجمعها ( فهو ) إذا ( كافر مسلوب الايمان ) أي قد نزع منه الإيمان وانسلخ عن أموره باتباعه لشهوات نفسه وايثاره الدنيا على الآخرة ، ( فكيف يكون من العلماء من لا إيمان له ) . وأخرج أبو نعيم في الحلية في ترجمة محمد بن كعب القرظي بسنده إليه عن أبي هريرة رفعه : « لا