تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 586

مساهمون:

ص٥٨٦
الرازي رحمه اللّه يقول لعلماء الدنيا : يا أصحاب العلم قصوركم قيصرية ، وبيوتكم كسروية ، وأثوابكم طاهرية ، وأخفافكم جالوتية ، ومراكبكم قارونية ، وأوانيكم فرعونية ، ومآتمكم جاهلية ، ومذاهبكم شيطانية ، فأين الشريعة المحمدية ؟ قال الشاعر :
وراعي الشاة يحمي الذئب عنها * فكيف إذا الرعاة لها ذئاب
( وقال آخر ) :
يا معشر القراء يا ملح البلد * ما يصلح الملح إذا الملح فسد ؟
شرح
مصر ( يقول لعلماء الدنيا ) متعجبا من حالهم : يا أصحاب العلم ( قصوركم قيصرية ) أي عالية تشبه قصور قيصر ملك الروم وفيهما جناس اشتقاق ، ( وبيوتكم كسروية ) أي مثل بيوت كسرى ملك الفرس في زخارفها ، ( وأثوابكم ) جمع ثوب ( طاهرية ) منسوبة إلى عبد اللّه بن طاهر بن الحسين الوزير ، وكان يتغالى في الثياب أي رفيعة ، ( وأخفافكم جالوتية ) أي مزينة كاخفاف جالوت ، وكان جبارا من الجبابرة جاء ذكره في القرآن ، ( ومراكبكم قارونية ) أي كمراكب قارون في التفاخر بها لكونها مزينة بالذهب والفضة والحرير ، ( وأوانيكم فرعونية ) أي فاخرة ثمينة كأواني فرعون ، ( ومآتمكم جاهلية ) أي من أفعال الجاهلية . وفي بعض النسخ : موائدكم ، ( ومذاهبكم شيطانية ) تتبعون النفس والهوى والشيطان فتذهبون إلى ما مالت به النفوس ، فبإطاعة الشيطان صارت مذاهبكم منسوبة إليه . ( فأين ) الطريقة ( المحمدية ) ؟ فإن اعلاء القصور وزخرفة المساكن والتزين بالمراكب والملابس والفرش والأواني كل ذلك من أفعال الجبابرة والمترفهين المؤثرين الدنيا على الآخرة . ليس شيء من ذلك في طريقته صلّى اللّه عليه وسلّم يؤثر الخمول على نفسه ويقنع بالقليل ويزهد في الدنيا وجدر حجرته الشريفة لم تبلغ ما فوق القامة ويركب الحمار بإكاف وغير إكاف ، ويردف خلفه إنسانا ، وكان فراشه أدم حشوه ليف ، وكان له قدح من خشب يشرب منه ، إلى غير ذلك من أحواله وأموره صلّى اللّه عليه وسلّم يعرفها من مارس كتب الحديث ، فمن كان مدعيا اتباع سنته السنية فعليه أن يتبع طريقته ويتبع أحواله حتى يكون محمديا وفي أحواله مرضيا . ( وأنشدوا ) في هذا المعنى :( وراعي الشاة يحمي الذئب عنها * فكيف إذا الرعاة لها ذئاب )أي : إن العلماء هم الرعاة للناس يصلحون من أمورهم ما أفسدوا ، فإذا تلبست العلماء بأمور الدنيا وتفاخروا بها كانوا ذئابا ، وكيف تصلح الذئاب أن تكون رعاة أصلا . ( وقيل ) في معنى ذلك ( أيضا ) :( يا معشر القراء يا ملح البلد * ما يصلح الملح إذا الملح فسد )المراد بالقراء العلماء شبههم بالملح بجامع الإصلاح ، وأخرج أبو نعيم في الحلية فقال : حدثنا أحمد بن إسحاق ، حدثنا عبد اللّه بن أبي داود ، حدثنا عمرو بن عثمان ومحمود بن خالد قالا : حدثنا الوليد ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير قال : العلماء مثل الملح هو صلاح كل شيء ،
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 586 | مرتضى الزبيدي