تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 582

مساهمون:

ص٥٨٢
الأخبار والآثار تبين أن العالم الذي هو من أبناء الدنيا أخس حالا وأشد عذابا من الجاهل ، وأن الفائزين المقربين هم علماء الآخرة ولهم علامات : فمنها ان لا يطلب الدنيا بعلمه ، فإن أقل درجات العالم أن يدرك حقارة الدنيا وخستها وكدورتها وانصرامها وعظم الآخرة ودوامها وصفاء نعيمها وجلالة ملكها ، ويعلم أنهما متضادتان ، وأنهما كالضرتين مهما أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى ، وانهما
شرح
قضاء حاجة الإنسان ( ظاهرها جص ) أي مطليّ بالنورة ( وباطنها نتن ) أي نجس قذر ، ومنه قول الحريري : فما أنت في جثة باطنك إلا كروث مفضض أو كنيف مبيض . قال : ( و ) مثل علماء السوء ( مثل القبور ) المشيدة ( ظاهرها عامر ) بالبناء والتراكيب والستور والقناديل ( وباطنها عظام الموتى ) إلى هنا كلام سيدنا عيسى عليه السلام على ما أورده صاحب القوت ، وأورده كذلك في مواضع أخر ولفظه : وكان عيسى عليه السلام يمثل علماء الدنيا بالكنف فيقول : ويلكم علماء السوء مثلكم مثل قناة حش ظاهرها جص وباطنها نتن ويلكم علماء السوء ، إنما أنتم مثل قبور مشيدة ظاهرها مشيد وباطنها عظام الموتى . يا علماء الدنيا إنما أنتم مثل شجرة الدفلى نورها حسن وطعمها مر ، أو قال سم يقتل . يا علماء الدنيا مثلكم مثل صخرة في فم النهر فذكره ، وأورد أبو نعيم في الحلية في ترجمة الفضيل بن عياض بسنده إلى عبد الصمد قال : سمعت الفضيل يقول : إذا ظهرت الغيبة ارتفعت الأخوة في اللّه إنما مثلكم في ذلك الزمان مثل شيء مطلي بالذهب والفضة داخله خبيث وخارجه حسن . ( فهذه الأخبار ) الشريفة ( والآثار ) المنيفة ( تبين ) وتصرح لك ( أن العالم الذي من أبناء الدنيا ) وعلمه لأجل تحصيلها ( أخس ) الناس ( حالا ) وأرادهم ( وأشد عذابا ) يوم القيامة ( من الجاهل ) . وقال بعض السادة الصوفية : وإنما كان عذابه أشد لأنه مضاعف فوق عذاب مفارقة الجسد بقطعه عن اللذات الحسية المألوفة ولعدم وصوله إلى ما هو أكمل منها لعدم انفتاح بصيرته ، مع عذاب الحجاب عن مشاهدة الحق تعالى ، فعذاب الحجاب إنما يحصل للعلماء الذين تنبهوا للذة لقاء اللّه في الجملة ولم يتوجهوا لتحصيل ذلك واتبعوا الشهوات الحسية المانعة لذلك ، وأما غيرهم فلا يعذب عذاب الحجاب الذي هو أعظم من عذاب الجحيم لعدم تصوّرهم له بالكلية وعدم ذوقهم له رأسا ، ( وإن الفائزين ) بمشاهدة الحق تعالى ( المقربين ) عنده ( هم علماء الآخرة ولهم علامات ) تميزهم عن غيرهم . ذكر المصنف اثني عشر علامة . ( فمنها : أن لا يطلب الدنيا بعلمه ) والدنيا أعم من أن تكون مالا أو جاها ، ( فأقل درجات العالم ) المتبين في أمره ( أن يدرك ) بفهمه ( حقارة الدنيا ) عند اللّه عز وجل ( وخستها ) ودناءتها ( وانصرامها ) وانصرام لذتها ( و ) أن يدرك ( عظم ) أمر ( الآخرة ) وما أعدّ للّه فيها ( ودوامها وصفاء نعيمها ) من الكدر ( وجلالة ملكها ) الأبدي ، ( و ) أن ( يعلم أنهما ) أي الدنيا والآخرة ( متضادتان ) يستحيل اجتماعهما كالخير والشر والسواد