تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 581

مساهمون:

ص٥٨١
تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ )
. فكذلك العالم الفاجر . فإن بلعام أوتي كتاب اللّه تعالى فأخلد إلى الشهوات فشبه بالكلب أي سواء أوتي الحكمة أو لم يؤت فهو يلهث إلى الشهوات . وقال عيسى عليه السلام : مثل علماء السوء كمثل صخرة وقعت على فم النهر لا هي تشرب الماء ولا هي تترك الماء يخلص إلى الزرع ، ومثل علماء السوء مثل قناة الحش ظاهرها جص وباطنها نتن ، ومثل القبور ظاهرها عامر وباطنها عظام الموتى ، فهذه
شرح
مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ * مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ )[ الأعراب : 175 - 178 ] ( وكذلك العالم الفاجر ) المعرض عن آيات اللّه بعد معرفته بها ، ( فإن بلعم ) المذكور ( أوتي كتاب اللّه عز وجل ) . وقال البيضاوي : أوتي علم بعض كتاب اللّه . وقال السهيلي : كان أوتي اسم اللّه الأعظم . وقال محمد بن علي الأوسي ، وكانت له حمارة إذا ركبها وذكر الاسم الأعظم الذي علمه اللّه سارت مسيرة خمسمائة يوم في يوم واحد . ويروى في ساعة واحدة ذكره الطبري ، وكان بحيث إذا نظر يرى العرش . وقال السهيلي : وكان مع الجبارين فسألوه أن يدعو على موسى وجيشه فأبى وأرى في المنام أن لا يفعل فلم يزالوا به حتى فتنوه فقلب لسانه ، فأراد الدعاء على موسى فدعا على قومه وخلع الإيمان من قلبه ونسي الاسم الأعظم ( فأخلد إلى الشهوات ) أي مال إليها واتبع هواه في إيثار الدنيا واسترضى قومه وأعرض عن مقتضى الآيات ( فشبه بالكلب ) الذي هو أخس الحيوانات ( أي سواء أوتي الحكمة أو لم يؤت فهو يلهث ) وايماء ( إلى الشهوات ) كالكلب يلهث دائما سواء حمل عليه بالزجر والطرد أو ترك ولم يتعرض له بخلاف سائر الحيوانات لضعف فؤاده ، واللهث : إدلاع أي إخراجه من العطش . قال البيضاوي : والشرطية في موضع الحال والمعنى لاهثا في الحالتين . وقال السمين : مثل اللّه تعالى حال بلعام بحال كلب هذه صفته ، فإذا كان لاهثا لم يملك دفع ضر ولا جلب نفع ، فلم يكتف بأن جعل مثله مثل الكلب بل مثل كلب متصف بما ذكر ، فقوله :( إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ )في محل الحال لا ان الكلب لا يزال كذلك دائما فنبهك بذلك لأن بعض الناس قد توهمه اه . ( وقال عيسى عليه السلام ) ونص القوت وروينا عن عيسى عليه السلام : ( مثل علماء السوء مثل صخرة وقعت على فم النهر لا هي شربت ) وفي القوت : لا هي تشرب ( الماء ولا هي تترك الماء يخلص ) أي يصل ( إلى الزرع ) ، وكذلك علماء الدنيا قعدوا على طريق الآخرة فلا هم نفذوا ولا تركوا العباد يسلكون إلى اللّه تعالى . وأخرج الخطيب في كتابه الاقتضاء بسنده إلى محمد بن يزيد بن خنيس قال : سمعت وهيب بن الورد يقول : ضرب مثل للمعلم السوء فقيل : إنما مثل العالم السوء كمثل حجر وقع في ساقية فلا هو يشرب من الماء ولا هو يخلي عن الماء فيحيا به الشجر اه . قال : ( ومثل علماء السوء مثل قناة الحش ) أصل الحش النخل المصطف ، ثم استعير لموضع
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 581 | مرتضى الزبيدي