تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 587

مساهمون:

ص٥٨٧
وقيل لبعض العارفين : أترى أن من تكون المعاصي قرة عينه لا يعرف اللّه ؟ فقال : لا أشك ان من تكون الدنيا عنده آثر من الآخرة انه لا يعرف اللّه تعالى . وهذا دون ذلك بكثير ، ولا تظنن أن ترك المال يكفي في اللحوق بعلماء الآخرة ، فإن الجاه أضر من المال . ولذلك قال بشر : « حدثنا » باب من أبواب الدنيا ، فإذا سمعت الرجل يقول « حدثنا » فإنما يقول : أوسعوا لي . ودفن بشر بن الحرث بضعة عشر ما بين قمطرة
شرح
فإذا فسد الملح لم يصلحه شيء ، وينبغي أن يوطأ بالاقدام ثم يلقى ، وقال في ترجمة سفيان بن عيينة : حدثنا أبو بكر ، حدثنا عبد اللّه ، حدثني أبو معمر ، عن سفيان قال ، قال عيسى عليه السلام : إنما أعلمكم لتعلموا ليس لتعجبوا يا ملح الأرض لا تفسدوا فإن الشيء إذا فسد إنما يصلح بالملح ، وإن الملح إذا فسد لم يصلح بشيء ( وقيل لبعض العارفين : أترى إن من تكون المعاصي قرة عينه : لا يعرف اللّه ) تعالى أي معرفة كاملة أو لا يذوق لذة معرفته . ( قال ) مجيبا ( ما أشك أن من تكون الدنيا عنده آثر ) أي أخص ( من الآخرة لا يعرف اللّه تعالى وهذا دون ذلك بكثير ) أي : فكيف يعرف اللّه تعالى من كانت المعاصي قرة عينه ، فإن ايثار الدنيا دون من أقر عينه بعصيان . وأخرج أبو نعيم في الحلية في ترجمة هشام الدستوائي بسنده إليه قال : قرأت في كتاب بلغني انه من كلام عيسى عليه السلام فقال : كيف يكون من أهل العلم من دنياه آثر عنده من آخرته وهو في دنياه أفضل رغبة ، ( ولا تظنن ) في نفسك ( أن ترك المال ) صامتا أو ناطقا هو ترك الدنيا وأنه ( يكفي في اللحوق بعلماء الآخرة ) ، وقد وقع في ذلك كثير من العلماء ، فظنوا أن اللحوق بأهل الآخرة يتم بالزهد عما ملكت يد الإنسان والتخلي عنه ، وركنوا إلى ذلك فأبطأوا في سيرهم ولم يعرفوا أن هناك ما هو أضر منه ، ( فإن الجاه ) عند الأمراء والملوك والأغنياء ( أضر من المال ) يفسد الأعمال ، ( ولذلك قال ) الإمام أبو نصر ( بشر ) بن الحرث بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال المروزي نزيل بغداد الشهير بالحافي ، الزاهد الجليل المشهور ثقة عابد قدوة ، روى عن حماد بن زيد ، وإبراهيم بن سعد ، وفضيل بن عياض ، ومالك وأبي بكر بن عياش ، وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم . وعنه أحمد بن حنبل ، وإبراهيم الحربي ، وإبراهيم بن هانئ ، وعباس العنبري ، ومحمد بن حاتم ، وأبو خيثمة وخلق . وقال ابن سعد : طلب الحديث وسمع سماعا كثيرا ثم أقبل على العبادة واعتزل عن الناس فلم يحدث . وذكره ابن حبان في الثقات . وقال ثوري المذهب في الفقه والورع . وقال الدارقطني : ثقة زاهد ليس يروي إلا حديثا صحيحا مات سنة سبع وعشرين ومائتين ، وله ست وسبعون . أخرج له أبو داود في كتاب المسائل له ، والنسائي في كتاب مناقب علي له ( حدثنا ) وأخبرنا ( باب من أبواب الدنيا ) هكذا نقله صاحب القوت عنه ، ( و ) قال أيضا ( إذا سمعت الرجل يقول حدثنا ) وأخبرنا ( فإنما يقول أوسعوا لي ) نقله صاحب القوت عنه ، ويروى عن علي أو ابن مسعود أنه مرّ على رجل يتكلم فقال : هذا يقول اعرفوني ( ودفن بشر ) ، ولفظ القوت : وحدثنا عن بعض أشياخنا عن بعض شيوخه قال دفنا له ( بضعة عشر ما بين قوصرة وقمطرة من