تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 575

مساهمون:

ص٥٧٥
( وأما الآثار ) : فقد قال عمر رضي اللّه عنه : إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة المنافق العليم . قالوا : وكيف يكون منافقا عليما ؟ قال : عليم اللسان جاهل القلب والعمل .
شرح
فإذا اقترن العلم والزهد فقد تمت السعادة وعمت الفضيلة ، وإن افترقا فيا ويح مفترقين ما أضر افتراقهما وأقبح انفرادهما . وقد فصل المصنف في ذلك تفصيلا حسنا يأتي في أثناء كتابة الناس في طلب العلم ثلاثة . رجل طلبه ليتخذه زاده إلى المعاد لم يقصد إلا وجه اللّه ، فهذا من الفائزين ، ورجل طلبه ليستعين به على حياته العاجلة وينال به الجاه والمال ، ومع ذلك يعتقد خسيسة مقصده وسوء فعله ، فهذا من المخاطرين فإن عاجله أجله قبل التوبة خيف عليه سوء الخاتمة وان وفق لها فهو من الفائزين ، ورجل استحوذ عليه الشيطان فاتخذ علمه ذريعة إلى التأثر بالمال والتفاخر بالجاه والتعزز بكثرة الاتباع وهو مع ذلك يضمر أنه عند اللّه بمكان لا تسامه بسمة العلماء ، فهذا من الهالكين المغرورين إذ الرجاء منقطع عن توبته لظنه أنه من المحسنين . ( وأما الآثار فقد قال عمر ) بن الخطاب ( رضي اللّه عنه : إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة المنافق العليم . قالوا : كيف يكون منافقا عليما ؟ قال : عليم اللسان جاهل القلب والعمل ) . اتخذ العلم حرفة يتأكل بها وهيئة وأبهة يتعزز بها ، يدعو الناس إلى اللّه ويفر هو منه ويستقبح عيب غيره ويفعل ما هو أقبح منه ، ويظهر للناس النسك والتعبد ويسارر ربه بالعظائم ، ذئب من الذئاب لكن عليه ثياب ، فهذا هو الذي حذر منه الشارع صلّى اللّه عليه وسلّم حذرا من أن يخطفك بحلاوة لسانه ويحرقك بنار عصيانه ويقتلك بفتن باطنه وجنانه . وقال الطيبي : أضاف أفعل إلى ما وهي نكرة موصوفة ليدل على أنه إذا استقصى الأشياء المخوفة لم يوجد أخوف منه . قال العراقي : وهذا الذي ذكره أثرا فقد ذكره أحمد مرفوعا من حديث عمر بإسناد صحيح من رواية أبي عثمان النهدي قال : إني لجالس تحت منبر عمر بن الخطاب وهو يخطب الناس فقال في خطبته : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة كل منافق عليم اللسان » . قلت : وهذا قد أخرجه ابن عساكر في تاريخه من رواية مالك بن دينار ، عن ميمون الكردي ، عن أبي عثمان النهدي قال : خطبنا عمر بن الخطاب قال : حذرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « كل منافق عليم » اه . ثم قال العراقي : وصح أيضا من حديث عمران بن حصين رواه الطبراني من رواية عبد اللّه ابن بريدة عنه رفعه : « إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم اللسان » اه . قلت : وبمثل رواية أحمد رواه أيضا البزار وأبو يعلى . قال المنذري : رواتهم محتج بهم في الصحيح . وقال الهيثمي : رجاله موثوقون في بعض نسخ المسند « على أمتي » بدل « هذه الأمة » وفي القوت : وعن عمر وروينا مسندا أيضا اتقوا كل منافق عليم اللسان يقول ما تعرفون ويعمل
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 575 | مرتضى الزبيدي