عليه السلام : إلى متى تصفون الطريق للمدلجين وأنتم مقيمون مع المتحيرين ، فهذا وغيره من الأخبار يدل على عظيم خطر العلم ، فإن العالم إما متعرض لهلاك الأبد أو لسعادة الأبد ، وأنه بالخوض في العلم قد حرم السلامة إن لم يدرك السعادة .
شرح
عبد اللّه ، عن عبد اللّه بن الحسن ، عن أبيه ، عن جده رفعه : « من ازداد باللّه علما ثم ازداد بالدنيا حبا ازداد اللّه عليه غضبا » قال : والمشهور أن هذا الحديث من قول الحسن البصري رواه ابن حبان في روضة العقلاء ، وابن عبد البر في بيان العلم بلفظ . « من ازداد علما ثم ازداد على الدنيا حرصا لم يزدد من اللّه إلا بعدا » لفظ ابن حبان . وقال ابن عبد البر : « بغضا » بدل « بعدا » وزاد ولم يزدد من الدنيا إلا بعدا . قال : وقد روي مثل قول الحسن هذا مرفوعا ، وكأنه أشار إلى حديث علي المتقدم .
قلت : وحديث عليّ المتقدم سنده ضعيف لأن موسى بن إبراهيم قال الذهبي ؛ قال الدارقطني : متروك كذا قاله المناوي ، وعندي في ذلك نظر لأن الذي قال فيه الدارقطني متروك وهو مروزي يروي عن ابن لهيعة كما هو نص الديوان للذهبي ، والذي يروي عن موسى ابن جعفر رجل من أهل البيت فتأمل . والحديث الذي بعده رواه أبو الفتح الأزدي في الضعفاء .
ومن الشواهد ما أخرجه أبو نعيم في الحلية ، حدثنا عبد اللّه بن محمد ، حدثنا الحسن بن إبراهيم بن يسار ، حدثنا سليمان بن داود ، حدثنا ابن عيينة قال : كان يقال : إن العاقل إذا لم ينتفع بقليل الموعظة لم يزدد على الكثير منها إلا شرا . وفي معنى ذلك قول مالك بن دينار : من لم يؤت من العلم ما يقمعه فما أوتي من العلم ما ينفعه .
( وقال عيسى عليه السلام ) فيما أخرجه الخطيب في اقتضاء العلم العمل له : حدثنا محمد بن أحمد بن رزقويه ، حدثنا جعفر بن محمد الخلدي ، حدثنا محمد بن عبد اللّه الحضرمي ، حدثنا عباس العنبري ، حدثني عبد الصمد قال : سمعت سعيد بن عطارد وكان بكى حتى قرح قال قال عيسى ابن مريم : ( إلى متى تصفون الطريق ) أي إلى اللّه تعالى ( إلى المدلجين ) ولفظ الخطيب إلى الدالجين أي لهم وهم السائرون بالليل ، والمراد بهم الزهاد السالكون إلى اللّه تعالى ( وأنتم مقيمون ) أي بأعمالكم ( مع المتحيرين ) الواقفين أي : فلا يصح وصف الطريق إلا من المتصف بالسير والسلوك في طريق الحق ، زاد الخطيب بعد قوله : المتحيرين إنما ينبغي من العلم القليل ومن العمل الكثير ، ( فهذا ) الذي ذكرناه لك ( وغيره من الأخبار ) الكثيرة ( يدل على عظيم خطر العلم و ) على ( أن العالم ) من حيث هو هو ( متعرض ) بعلمه ( إما لهلاك الأبد ) فيكون أشقى الأشقياء ( أو لسعادة الأبد ) فيكون أسعد السعداء ( وأنه بالخوض ) والاشتغال ( في العلم قد حرم ) منع ( السلامة ) من الهلاك ( إن لم يدرك السعادة ) بمنة من اللّه تعالى وتوفيق منه .
وتحقيق هذا المقام أن أصل العلم الغاية ؟ ؟ ؟ وثمرته السعادة ، وأصل الزهد الرهبة وثمرته العبادة ،