تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 567

مساهمون:

ص٥٦٧
لا تنه عن خلق وتأتي مثله * عار عليك إذا فعلت عظيم
وقال اللّه تعالى :
( أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ )
[ البقرة : 44 ] ، ولذلك كان وزر العالم في معاصيه أكبر من وزر الجاهل ، إذ يزل بزلته عالم كثير ويقتدون به . ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها . ولذلك قال علي رضي اللّه عنه : قصم ظهري
شرح
نصاب له كيف يخرج الزكاة ، وفاقد النور كيف يستنير به غيره ، ومتى يستقيم الظل والعود أعوج إلى آخر ما ذكر . وقد ذكر في خلال فصول المقدمة وسيأتي شيء من ذلك في الباب السادس ، ولا يخفى أن هذا وما في الذريعة في مورد الوعظ . وقاس المنصف عليه التعليم والإرشاد لقرب منزلتهما وقوله : متى يستقيم الخ مصراع بيت كامل جرى مجرى الأمثال المشهورة المفيدة ( ولذلك قيل في المعنى ) :لا تنه عن خلقق وتأتي مثله * عار عليك إذا فعلت عظيموقال اللّه تعالى في كتابه العزيز :( أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ )قال البيضاوي : تقرير مع توبيخ وتعجيب ، والبر يتناول كل خير ( وتنسون أنفسكم ) وتتركونها . قال ابن عباس : نزلت في أحبار المدينة كانوا يأمرون سرا من نصحوه باتباع محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ولا يتبعونه ، وأنتم تتلون الكتاب تبكيت كقوله ( وأنتم تعلمون ) أي تتلون التوراة وفيها الوعيد على العناد ومخالفة القول العمل ، ومثله في قوله عز وجل بذم الشعراء فقال( وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ )[ الشعراء : 226 ] وكذلك قوله :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ )[ الصف : 2 ، 3 ] وأخرج عبد بن حميد عن أبي خالد الوالي قال : جلسنا عند خباب ابن الأرت فسكتنا فقلنا : ألا تحدثنا فإنما جلسنا إليك لذلك ؟ فقال : أتأمرون أن أقول ما لا أفعل ( ولذلك كان وزر العالم ) بكسر اللام ( في معاصيه ) إذا ارتكبها ( أكثر ) من وزر الجاهل لما سيأتي من قول أبي الدرداء رضي اللّه عنه : ويل للجاهل مرة وويل للعالم سبع مرات . ( إذ يزل بزلته عالم فيقتدون به ) مقرين عليه ، ومنه زلة العالم زلة العالم وفي العالم والعالم جناس كامل ، ( و ) قد ورد ( من سنّ ) في الإسلام ( سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ) وهي قطعة من حديث وتمامه : « من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا أخرجه الإمام أحمد ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة من طرق ، والدارمي ، وأبو عوانة ، وابن حبان كلهم عن جرير ، وأوله : « من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئا » وفي الباب عن حذيفة وأبي جحيفة وأبي هريرة ووائلة رضي اللّه عنهم ، وقد تقدم في خطبة هذا الشرح إيماء إلى ذلك فراجعه ، ولم يذكره الحافظ العراقي في تخريجه ، وكأنه لعدم ذكر المنصف في أوله قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بل ساقه مساق كلامه وإلا فلا يخفى مثل ذلك عليه ، وقد ساق صاحب الذريعة هذا السياق وفيه زيادة لم يذكرها المنصف فقال : وأيضا فكل شيء له حالة يختص بها ، فإنه يجر غيره إلى نفسه بقدر وسعه بإرادة
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 567 | مرتضى الزبيدي