تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 564

مساهمون:

ص٥٦٤
أحد إلا وهو راض عن اللّه سبحانه في كمال عقله ، وأشدهم حماقة وأضعفهم عقلا هو أفرحهم بكمال عقله . وبهذا يعلم أن من تقيد من العوام بقيد الشرع ورسخ في نفسه العقائد المأثورة عن السلف من غير تشبيه ومن غير تأويل وحسن مع ذلك سيرته ولم يحتمل عقله أكثر من ذلك ، فلا ينبغي أن يشوّش عليه اعتقاده ، بل ينبغي أن يخلّى وحرفته ، فإنه لو ذكر له تأويلات الظاهر انحل عنه قيد العوام ولم يتيسر قيده بقيد الخواص ، فيرتفع عنه السد الذي بينه وبين المعاصي وينقلب شيطانا مريدا يهلك نفسه وغيره . بل لا ينبغي أن يخاض مع العوام في حقائق العلوم الدقيقة ، بل يقتصر معهم على تعليم العبادات وتعليم الأمانة في الصناعات التي هم بصددها ويملأ قلوبهم من الرغبة
شرح
قاصر الفهم ( فما من أحد إلا وهو راض عن اللّه عز وجل في كمال عقله ) قد أقامه اللّه على ذلك ، ولولا ذلك لفسد نظام الكون . ( وأشدهم حماقة ) أي فسادا في العقل ( وأضعفهم ) وفي نسخة : وأصغرهم ( عقلا هو أفرحهم ) أشدهم فرحا ( بكمال عقله ) وتصويب رأيه ( وبهذا يعلم ) هذه العبارة منتزعة من كتاب الذريعة للراغب قال : وإذا ثبت ذلك وجب ( أن يكون من تقيد من العوام ) ، ولفظ الذريعة : من العامة ( بقيد الشرع ) بحسب حاله ( ورسخ ) أي ثبت ( في نفسه ) اعتقاد ( العقائد المأثورة ) المنقولة ( عن السلف ) الصالحين ( من غير تشبيه ) فيه بما لا يليق ولا تعطيل ( ومن غير تأويل ) لظاهر ما ورد ( وحسن مع ذلك سيرته ) وطريقته ( ولم يحتمل عقله أكثر من ذلك ) لقصوره ، ( فلا ينبغي أن يشوش عليه اعتقاده ) فإن ذلك موجب لحرمانه ، ( بل ينبغي أن يخلّى ) أي يترك ( وحرفته ) أي صنعته التي هو فيها وطريقته التي هو سالكها ، ( فإنه لو ذكر له تأويلات الظواهر ) وما اختلف فيها بالدلائل والبراهين ( انحل عنه عقد العوام ولم يتيسر قيده بقيد الخواص ) فبقي مذبذبا بين هؤلاء وهؤلاء ، ( فيرتفع عنه الستر ) وفي نسخة : السد ( الذي بينه وبين المعاصي ) فيرتكبها متهاونا بها فيقع في محظور ( وينقلب ) في أفعاله ( شيطانا مريدا ) متمردا ، وحينئذ ( يهلك نفسه ) بما يصدر منه من المخالفات ( و ) يهلك ( غيره ) لأنهم يرونه فيقتدون به فيهلكون ، ( بل لا ينبغي أن يخاض ) أي يفاوض ( بالعوام في حقائق العلوم الدقيقة ) مداركها ، وهذا مشاهد في عوام الصوفية إذ يسمعون من مشايخهم بعض كلمات دقيقة في علم الحقيقة فيتمشدقون بها فيهلكون ويهلكون ، ( بل يقتصر معهم ) الخائض ( على تعليم العبادات ) الدينية كالصلاة والصوم والحج والزكاة ومتعلقات كل ذلك من غير تدقيق في مسائلها ولا اختلاف في نقولها ، ( و ) بعد ذلك يفاوضهم ( في تعليم الأمانة ) خاصة ( في الصناعة التي هو بصددها ) ليكون ذلك أوقع في قلوبهم وأنفع بحسب ما هم فيه ، ( و ) في أثناء ذلك ( يملأ قلوبهم من الرغبة والرهبة بالجنة والنار ) أي بذكر كل منهما بما فيهما من النعيم المقيم الأبدي والعقاب الأليم السرمدي ، ( بما نطق به القرآن ) وصرحت به الأحاديث
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 564 | مرتضى الزبيدي