تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 566

مساهمون:

ص٥٦٦
العلم منع الرشد ، وكل من تناول شيئا وقال للناس : لا تتناولوه فإنه سم مهلك سخر الناس به واتهموه وزاد حرصهم على ما نهوا عنه ، فيقولون : لولا أنه أطيب الأشياء وألذها لما كان يستأثر به ، ومثل المعلم المرشد من المسترشدين مثل النقش من الطين والظل من العود ، فكيف ينتقش الطين بما لا نقش فيه ومتى استوى الظل والعود أعوج ؟ ولذلك قيل في المعنى .
شرح
يدرك بالبصر وعلمه يدرك بالبصيرة ، وأكثر الناس أصحاب الأبصار دون البصائر ، فيجب أن تكون عنايته بإظهار عمله الذي يدركه جماعتهم أكثر من عنايته بالعلم الذي لا يدرك إلا بالبصيرة اه . ( ومن ) المعلوم ( كل من تناول شيئا ) وتعاطاه واختاره لنفسه ( وقال للناس لا تتناولوه ) ولا تقربوا منه ( فإنه سم مهلك ) يضرّ بآخرتكم أو دنياكم ( سخر الناس به ) استهزأوا به ( واتهموه ) في دينه وعلمه وورعه ( وزاد حرصهم عليه ) أي : على تناول المنهي عنه ، وكذلك بالعكس إذا نهي عن شيء ثم ارتكبه وهذا أصل أصيل في إرشاد الطالبين وتسليك المبتدئين ، ولا سيما في الوعظ ومجالس العامة ، فإن الائتمار بما سيأمره لهم أولا والانصباغ به أوقع في قلوب السامعين وأقرب إلى أذهان الراغبين ، ولذلك كان بعض الوعاظ لا يذكر لهم في فضائل العتق حتى أمكنه اللّه من شراء رقيق فأعتقه فذكر لهم فضل من أعتق للّه تعالى حتى يكون له تأثير في قلوبهم ، ومن لم يكابد الليل وسهره وقيامه فكيف يسمع منه فضل من قامه وأحياه ؟ ومتى اختار لنفسه وصفا ونهاهم عن ارتكابه يعجبون ( فيقولون لولا أنه أعظم الأشياء وألذها ) عنده ( لما كان يستأثر به ) ويختص لنفسه . ونص الذريعة . ومنزلة الواعظ من الموعوظ منزلة المداوي من المداوى ، فكما أن الطبيب إذا قال للناس : لا تأكلوا هذا فإنه سم ثم رأوه آكلا له عد سخرية وهزوا ، كذلك الواعظ إذا أمر بما لا يعمله ، وبهذا النظر قيل يا طبيب طب نفسك ، ( و ) إنما ( مثل المعلم المرشد من ) المتعلم ( المسترشد مثل النقش من الطين ) الذي يبنى به الجدار ونحوه ، ( و ) مثل ( العود ) أي عود الشجرة ( من الظل وكيف ينقش الطين بما لا نقش فيه ومتى استوى الظل والعود أعوج فإذا اعوج العود اعوج الظل ) وفي الذريعة : وأيضا فالواعظ من الموعوظ يجري مجرى الطابع من المطبوع ، فكما أنه محال أن ينطبع الطين على الطابع بما ليس منتقشا به ، كذلك محال أن يحصل في نفس الموعوظ ما ليس بموجود من الواعظ ، فإذا لم يكن الواعظ إلا ذا قول مجرد من الفعل لم يتلق عنه الموعوظ إلا القول دون الفعل ، وأيضا ، فإن الواعظ يجري مجرى الظل من ذي الظل ، وكما أنه محال أن يعوج ذا الظل والظل مستقيم كذلك محال أن يعوج الواعظ ويستقيم الموعوظ اه . وقال ابن السمعاني : قرأت في كتاب كتبه الغزالي إلى أبي حامد أحمد بن سلامة بالموصل فقال في خلال فصوله : أما الوعظ فلست أرى نفسي أهلا له لأن الوعظ زكاة نصابه الاتعاظ ، فمن لا