تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 561

مساهمون:

ص٥٦١
منه وينتفع بك ، وإلّا وقع الإنكار لتفاوت المعيار ، وسئل بعض العلماء عن شيء فلم يجب فقال السائل : أما سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من كتم علما نافعا جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار » ؟ فقال : اترك اللجام واذهب ، فإن جاء من يفقه وكتمته فليلجمني فقد قال اللّه تعالى :
( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ )
[ النساء : 5 ] تنبيها على أن حفظ العلم
شرح
صلّى اللّه عليه وسلّم في المنام فسمعه يقول : « إن لكل شيء عند اللّه حرمة ومن أعظم الأشياء حرمة الحكمة فمن وضعها في غير أهلها طالبه اللّه بحقها ومن طالبه خصمه » . وقد سبق شيء من ذلك وذكر أيضا بعد نقله قول سيدنا عيسى المتقدم ذكره ما لفظه . وكان بعض هذه الطائفة يقول نصف هذا العلم سكوت ونصفه تدري أين تصنع . وقد قال بعض العارفين : من كلم الناس مبلغ علمه وبمقدار عقله ولم يخاطبهم بمقدار حدودهم فقد بخسهم حقهم ولم يقض بحق اللّه تعالى فيهم ، ثم إن المراد بالجوهر في قول سيدنا عيسى عليه السلام علم الباطن ، وقد أخرج الخطيب في تاريخه من طريق يحيى بن عقبة بن أبي الغرار ، عن محمد بن جحادة ، عن أنس رفعه : « لا تعلقوا الدر في أعناق الخنازير » وفي لفظ « لا تطرحوا الدر في أفواه الكلاب » يعني العلم ويحيى ضعيف . وله متابع عند الخليلي في الإرشاد من طريق شعبة العياب عن محمد بن جحادة عن أنس ولفظه : « لا تطرحوا الدر في أفواه الخنازير » يريعني العلم . وعند ابن ماجة « وواضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر والدر والذهب » . ( ولهذا قيل ) ونص القوت وكان يحيى بن معاذ يقول : اغرف لكل واحد من نهرك واسقه بكأسه ، ونحن نقول بمعناه ( كل لكل عبد بمعيار عقله ، وزن له بميزان علمه ) وفي بعض النسخ : بميزان فهمه ( حتى تسلم منه وينتفع بك وإلا وقع الإنكار لتفاوت المعيار ) هذا كله نص القوت ، وعلم بذلك أن المراد بهذا القائل هو صاحب القوت ، لأنه قال : ونحن نقول بمعناه أي معنى قول يحيى بن معاذ الرازي أحد العارفين الأكابر وإليه يشير قول الحريري صاحب المقامات :وكلت للخل كما كال لي * على وفاء الكيل أو بخسه ولم أخسره وشر الورى * من يومه أخسر من أمسهوفي القوت ( سئل بعض العلماء عن شيء فلم يجب ) عنه ، ( فقال السائل : أما سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال ) أي أما بلغك قوله : ( « من كتم علما نافعا جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار » فقال ) في جوابه ( اترك اللجام واذهب فإن جاء من يفقه ) وفي نسخة : يفهمه ثم سألني ( وكتمته فليلجمني ) . فإن إيداع الأسرار لا يكون إلا لمن تلقن بفهم ثم انتفع به ، ( فقد قال اللّه عز وجل ) في كتابه العزيز( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ )[ النساء : 5 ] التي جعل اللّه لكم قياما ، والسفيه من لا يعرف رشده فلا يمكن بالأموال فإنه يتصرف فيها بالتبذير وسوء التدبير ، فإذا كانت الأموال وهي عوار ظاهرة منعت عن تمكن السفهاء فيها فالعلوم الإلهية التي من عمل الباطن بطريق الأولى ، ومن هنا ظهر أن السائل إنما سأله عن دقيقة من دقائق