الاصرار إذ قال صلّى اللّه عليه وسلّم وهو مرشد كل معلم : « لو منع الناس عن فت البعر لفتوه وقالوا ما نهينا عنه إلا وفيه شيء » وينبهك على هذا قصة آدم وحواء عليهما السلام وما نهيا عنه ، فما ذكرت القصة معك لتكون سمرا بل لتتنبه بها على سبيل العبرة ، ولأن التعريض أيضا يميل النفوس الفاضلة والأذهان الذكية إلى استنباط معانيه ، فيفيد فرح التفطن لمعناه رغبة في العلم به ليعلم أن ذلك مما لا يعزب عن فطنته .
شرح
( قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو مرشد لكل معلم ) إذ به عرف طريق التعليم والإرشاد بنصحه لأمته وشفقته عليهم : ( « لو منع الناس عن فت البعر لفتوه وقالوا نهينا عنه إلا وفيه شيء » ) ونص الذريعة : لو نهي الناس والباقي سواء . قال العراقي : لم أجده إلا من حديث الحسن مرسلا وهو ضعيف . رواه ابن شاهين اه .
قلت : ووجدت بخط الداودي ما نصه : ولفظ ابن شاهين : « لو منع الناس فت الشوك لقالوا فيه الند » . وفي المعنى حديث أبي حجيفة : « لو نهيتم أن تأتوا الحجون لأتيتموها » الحديث اه .
قلت : للسيوطي في الجامع الكبير « لو نهيت رجالا أن يأتوا الحجون لأتوها وما لهم بها حاجة » . أخرجه أبو نعيم عن عبدة بن حرب اه .
قلت : رواه الطبراني من رواية أبي إسحاق عن أبي حجيفة قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قاعدا ذات يوم وقدامه قوم يصنعون شيئا يكرهونه من كلامهم ولغطا ، فقيل يا رسول اللّه : ألا تنهاهم ؟ فقال : « لو نهيتهم عن الحجون لأوشك أحدهم أن يأتيه وليست له حاجة » . قال العراقي : ورجاله ثقات إلا أنه اختلف فيه على الأعمش ، فقيل عنه عن أبي إسحاق هكذا ، وقيل عن أبي إسحاق وعن عبدة السوائي . ورواه الطبراني أيضا وعبدة السوائي مختلف في صحبته .
( وينبهك على هذا قصة آدم وحواء عليهما السلام وما نهيا عنه ) بقوله تعالى :( وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ )[ البقرة : 35 ] وقول الشيطان :( ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ )[ الأعراف : 20 ] ومن هذه القصة يؤخذ حديث الحسن ، ونص الذريعة : وكفى بذلك شهادة ما كان من أمر آدم وحواء في نهي اللّه تعالى إياهما عن أكل الشجرة اه .
( فما ذكرت القصة معك لتكون سمرا ) أي يحكى بها في المسامرة ، ( بل لتتنبه بها على سبيل العبرة ) أي الاعتبار . وفي الذريعة : سئل بعض الحكماء عن الفكرة والعبرة . فقال : الفكرة أن تجعل الغائب حاضرا والعبرة أن تجعل الحاضر غائبا ، ( ولأن التعريض ) أي إفهامه المراد بالكناية ( أيضا يميل النفوس الفاضلة ) هي المهذبة بالآداب الشرعية المجملة بالإفاضات الرحمانية ( والأذهان الذكية ) هي المصقلة بالأنوار المحفوفة بالأسرار ( إلى استنباط ) أي استخراج ( معانيه ) واستكشاف غوامضه المبهمة ( فيفيد فرح التفطن لمعناه ) والسرور بذلك أبدا ( رغبة في العمل به ) أي بمقتضاه ( ليعلم أن ذلك مما لا يعزب ) أي لا يغيب ( عن