يتعظ بما يعظ به غيره ، ويجري حب القبول والجاه مجرى الحب الذي ينثر حوالي الفخ ليقتنص به الطير ، وقد فعل اللّه ذلك بعباده إذ جعل الشهوة ليصل الخلق بها إلى بقاء النسل ، وخلق أيضا حب الجاه ليكون سببا لاحياء العلوم ، وهذا متوقع في هذه العلوم ، فأما الخلافيات المحضة ومجادلات الكلام ومعرفة التفاريع الغريبة ، فلا يزيد التجرد لها مع الاعراض عن غيرها إلا قسوة في القلب وغفلة عن اللّه تعالى وتماديا في الضلال وطلبا للجاه إلا من تداركه اللّه تعالى برحمته أو مزج به غيره من العلوم الدينية ، ولا برهان على هذا كالتجربة والمشاهدة ، فانظر واعتبر واستبصر لتشاهد تحقيق ذلك في العباد والبلاد واللّه المستعان . وقد رؤي سفيان الثوري رحمه اللّه حزينا فقيل له :
شرح
الآخرة ) وفي نسخة : بالآخرة ( حتى يتعظ ) بنفسه ( بما يعظه به غيره ) عملا بما يعلم غيره ، ( ويجري ) بذلك ( حب القبول ) في الخلق ( والجاه ) عندهم ( كالحب الذي ينثر ) ويرمى ( حوالي الفخ ) الذي ينصب ( ليقتنص به الطير ) أي يصطاد ، ( وقد فعل اللّه ) عز وجل ( ذلك بعباده ) حكمة بالغة ( إذ خلق الشهوة ) في أصل التركيب وأودعها فيه ( ليصل الخلق بها ) وفي نسخة : به وهو خلاف الظاهر ( إلى بقاء ) نظام العالم بوجود ( النسل ) والذرية ، ( وخلق أيضا حب الجاه ) والقبول وركزها في بعض النفوس ( ليكون سببا لإحياء العلوم ) ، ولولا ذلك لاندرست ، وهذه العبارة منتزعة من سياق القوت ولفظه ، وقال الحسن رحمه اللّه : يتعلم هذا العلم قوم لا نصيب لهم منه في الآخرة يحفظ اللّه بهم العلم على الأمة لئلا يضيع . وقال المأمون : لولا ثلاث لخربت الدنيا . لولا الشهوة لانقطع النسل ، ولولا حب الجمع لبطلت المعايش ، ولولا طلب الرئاسة لذهب العلم اه .
( وهذا متوقع ) ومرجو ( في هذه العلوم ) التي ذكرت ، ( فأما ) معرفة ( الخلاف المحض ومجادلة الكلام ومعرفة التفريعات الغريبة ) من المسائل الفقهية الفرعية ( فلا يزيد التجرد لها ) والاهتمام بها ( مع الإعراض ) الكلي ( عن غيرها إلا قسوة في القلب ) وظلمة ( وغفلة عن اللّه ) تعالى ، لأن هذه العلوم لا تكاد أن يوجد فيها ذكر اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ما عدا الخطب ( وتماديا في الضلال وطلب الجاه ) وتطاولا فيهما ( إلا من تداركه اللّه تعالى برحمته ) فعصمه من الغفلة والقسوة ( أو مزج به غيره من العلوم الدينية ) غير متفرد عليه ، ( ولا برهان على هذا ) أي الذي ذكرت ( كالتجربة ) في نفسه ( والمشاهدة ) في علماء عصره وأقرانه . ( فانظر يا أخي واعتبر ) بفكرك ( واستبصر ) بعين قلبك ( لتشاهد تحقيق ذلك في العباد والبلاد ) مع اختلافهم وتباينها ( واللّه المستعان ) وعليه التكلان .
( وقد رؤي ) الإمام الزاهد الورع ( سفيان ) بن سعيد بن مسروق ( الثوري ) رحمه اللّه تعالى ( حزينا ) أي مغموما ( فقيل ) أي : قال له بعض أصحابه : ( مالك ) أي لأي شيء أراك