تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 553

مساهمون:

ص٥٥٣
فإن علم من باطنه أنه لا يطلب العلم إلا للدنيا نظر إلى العلم الذي يطلبه ، فإن كان هو علم الخلاف في الفقه ، والجدل في الكلام ، والفتاوى في الخصومات والأحكام ، فيمنعه من ذلك ، فإن هذه العلوم ليست من علوم الآخرة ولا من العلوم التي قيل فيها : « تعلمنا العلم لغير اللّه فأبى العلم أن يكون إلا للّه » وإنما ذلك علم التفسير وعلم الحديث . وما كان الأولون يشتغلون به من علم الآخرة ومعرفة أخلاق النفس وكيفية تهذيبها ، فإذا تعلمه الطالب وقصده الدنيا فلا بأس أن يتركه ، فإنه يتشمر له طمعا في الوعظ والاستتباع ، ولكن قد يتنبه في أثناء الأمر أو آخره إذ فيه العلوم المخوفة من اللّه تعالى المحقرة للدنيا المعظمة للآخرة ، وذلك يوشك أن يؤدي إلى الصواب في الآخرة حتى
شرح
أثناء آفات المناظرة . وأخرج أبو نعيم في الحلية في ترجمة وهيب بن المورز المكي بسنده إليه قال : بلغنا أن العلماء « 1 » ثلاثة . فعالم يتعلمه لنفد به عند التجار وعالم يتعلمه لنفسه لا يريد به إلا أنه خاف ان يعمل بغير علم فيكون ما يفسد أكثر مما يصلح ، ( فإن علم ) المعلم ( من باطنه ) أي المتعلم ( أنه لا يطلب العلم ) ويشتغل به عليه ( إلا للدنيا ) أي تحصيلها وفي معناه طلب الرئاسة والجاه فإن عليهما مدار حصول الدنيا ( نظر ) المعلم ( إلى العلم الذي يطلبه ) ويشتغل به ، ( فإن كان هو علم الخلاف في الفقه ) أي علم خلاف فقهاء الأمصار أو فقهاء المذهب خاصة ، وهو علم الفروع ( و ) علم ( الجدل في الكلام ) الذي يتوصل بمعرفته إلى معرفة مذاهب الموافق والمخالف والردود على الفرق الضالة التي أفسدت عقائدها ، ( و ) علم ( الفتاوى في الخصومات ) الحاصلة بين الناس ، ( و ) معرفة ( الأحكام ) المتعلقة بذلك ، ( فيمنعه من ذلك ) باللطف والتدريج ، ( فإن هذه العلوم ) التي ذكرت ( ليست من العلوم التي قيل فيها ) فيما سلف ( « تعلمنا العلم لغير اللّه فأبى أن يكون الا اللّه » ) . وقد تقدم هذا القول في كلام المصنف ، وذكرنا ما يتعلق به ، ( وإنما ذلك ) العلم ( علم التفسير وعلم الحديث ) ومتعلقاتهما ( وما كان الأولون ) من السلف ( يشتغلون به ) من العلوم النافعة ( وعلم ) معرفة ( الآخرة ) وأحكامها ( و ) علم ( معرفة أخلاق النفس ) ممدوحها ومذمومها ( وكيفية تهذيبها ) بالرياضات الشرعية ، ( فإذا تعلمه الطالب ) واشتغل به ( و ) لكن ( قصده ) حصول متاع ( الدنيا فلا بأس أن يتركه ) وفي نسخة : أن يترك أي على قصده ، ( فإنه يتشمر له ) أي يتهيأ لتحصيله ( طمعا في الوعظ ) أي يكون واعظا ( والإستتباع ) أي طلب تبع الناس له ، ( ولكن قد يتنبه ) من غير قصد منه ( في أثناء الأمر ) وتضاعيفه ( أو آخره ) على اختلاف نيته ( إذ فيه العلوم المخوفة ) أي في مجموع ما ذكر علوم تورث الخوف والخشية من اللّه ( المحقرة للدنيا ) ومتاعها ( المعظمة للآخرة ) وما أعد اللّه فيها ، ( وذلك يوشك ) بكسر الشين وفتحها لغة ضعيفة أي يقرب ( أن يرد ) وفي نسخة : يؤدي ( إلى الصواب في
هامش
( 1 ) قوله ثلاثة هكذا في النسخ بإسقاط الثاني ولينظر ما هو اه مصححه .