تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 555

مساهمون:

ص٥٥٥
ما لك ؟ فقال : صرنا متجرا لأبناء الدنيا يلزمنا أحدهم حتى إذا تعلم جعل قاضيا أو عاملا أو قهرمانا . ( الوظيفة الرابعة ) : وهي من دقائق صناعة التعليم أن يزجر المتعلم عن سوء الاخلاق بطريق التعريض ما أمكن ولا يصرح وبطريق الرحمة لا بطريق التوبيخ ، فإن التصريح يهتك حجاب الهيبة ، ويورث الجرأة على الهجوم بالخلاف ، ويهيج الحرص على
شرح
محزونا ؟ ( فقال : صرنا متجرا لأبناء الدنيا فيلزمنا أحدهم ) في طلب علم الحديث ، ( حتى إذا تعلم ) رغب إلى الدنيا ورغب إليه الناس ، فإما ( جعل عاملا ) على الخراج السلطاني ( أو قاضيا ) يقضي بالأحكام ( أو قهرمانا ) يلي أمور السلطان . أخرجه الحافظ أبو الفرج بن الجوزي في مناقب سفيان بالسند ، وهي في حلية الأولياء لأبي نعيم الحافظ في ترجمته ، وأوردها كذلك صاحب القوت ، وعنه أخذ المصنف ولفظه . قال بعض أصحاب الحديث : رأيت سفيان الثوري حزينا فسألته ، فقال وهو مبرم : ما صرنا إلا متجرا لأبناء الدنيا ، فقلت : وكيف ؟ قال : يلزمنا أحدهم حتى إذا عرف بنا وحمل عنا جعل عاملا أو جابيا أو قهرمانا .

[ ( الوظيفة الرابعة )

: أن يزجر المتعلم عن سوء الاخلاق بطريق التعريض ما أمكن ] ( الوظيفة الرابعة ) : من وظائف المعلم ( وهي من دقائق صناعة التعليم ) تستدعي المحافظة عليها ( وهي أن يزجر المتعلم ) وينهاه ( عن ) ارتكاب ( سوء الأخلاق ) لكن ( بطريق التعريض ما أمكن ) بأن يفهمه مراده بكناية ( ولا يصرح و ) يورد زجره ( بطريق الرحمة ) والشفقة عليه ( لا بطريق التوبيخ ) وهو اللوم والتقريع الشديد العنيف ، ( فإن التصريح ) باللوم ( يهتك حجاب الهيبة ) خصوصا إذا كان على ملأ من الناس ، ( و ) ربما ( يورث الجرأة ) والإقدام ( على الهجوم بالخلاف ) على مقتضى الجبلة البشرية المنطوية على الكبر ، ( و ) ذلك ( يهج الحرص ) ويثيره ( على الإصرار ) والبقاء على ما ليم عليه . ونص الذريعة : وحق المعلم أن يصرف من يريد إرشاده عن الرذيلة إلى الفضيلة بلطف في المقال وتعريض في الخطاب ، فالتعريض أبلغ من التصريح لوجوه . أحدها : أن النفس الفاضلة لميلها إلى استنباط المعنى تميل إلى التعريض شغفا باستخراج معناه بالفكر ، ولذلك قيل : رب تعريض أبلغ من تصريح . الثاني : أن التعريض لا تنهتك به سجف الهيبة ولا يرتفع ستر الحشمة . الثالث : أن ليس للتصريح إلا وجه واحد وللتعريض وجوه ، فمن هذا الوجه يكون أبلغ . الرابع : للتعريض عبارات مختلفة فيمكن إيراده على وجوه مختلفة ، ولا يمكن إيراد التصريح إلا على وجه واحد إذ ليس له إلا عبارة واحدة . والخامس : أن صريح النهي داع إلى الاعتداء ، ولذلك اللوم إغراء قال الشاعر :دع اللوم إن اللوم يغري وإنما * أراد صلاحا من يلوم فافسدا