إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 552
حقه ثار عليه وصار من أعدى أعدائه ، فأخسس بعالم يرضى لنفسه بهذه المنزلة ثم يفرح بها ثم لا يستحي من أن يقول : غرضي من التدريس نشر العلم تقربا إلى اللّه تعالى ونصرة لدينه ؛ فانظر إلى الأمارات حتى ترى ضروب الاغترارات . ( الوظيفة الثالثة ) : أن لا يدع من نصح المتعلم شيئا ، وذلك بأن يمنعه من التصدي لرتبة قبل استحقاقها والتشاغل بعلم خفي قبل الفراغ من الجلي ، ثم ينبهه على أن الغرض بطلب العلوم القرب إلى اللّه تعالى دون الرئاسة والمباهاة والمنافسة ، ويقدم تقبيح ذلك في نفسه بأقصى ما يمكن فليس ما يصلحه العالم الفاجر بأكثر مما يفسده ، ومفشيا عيوبه في المجالس ( وصار ) بذلك ( من أعدى أعدائه ) أي أكبر مبغضيه ، ( فاخسس بعالم يرضى لنفسه بهذه المنزلة ) الخسيسة ويطمئن إليها ( ثم يفرح بها ) مفتخرا على أقرانه ( ثم لا يستحي ) من اللّه ورسوله ( من أن يقول ) مصرحا : إنما ( غرضي من التدريس ) والتعليم ( نشر العلم ) وإفادته ( تقربا إلى اللّه تعالى ونصرة لدينه ) وطلبا لمرضاته ، ( فانظر ) أيها المتأمل ( إلى الأمارات ) الدالة على قبح سيرتهم وفساد النيات ( كيف ترى ) فيها ( صنوف الإغترارات ) الشيطانية المهلكات أعاذنا اللّه منها . [ ( الوظيفة الثالثة ) : أن لا يدع من نصح المتعلم شيئا ] ( الوظيفة الثالثة : أن لا يدخر ) أي لا يبقى المعلم ( من نصح المتعلم شيئا ) ما والتنكير للتقليل ، ( وذلك بأن يمنعه من التصدي ) أي التعرض ( لرتبة قبل استحقاقها ) أي قبل الإستئهال لها كالتدريس مثلا لما في الحديث : « إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة » . ( والتشاغل بعلم ) من العلوم ( خفي ) المدرك بعيد الغور ( قبل الفراغ من ) العلم ( الجلي ) وتحصيله ، وذلك كأن يتشاغل بمعرفة دقائق أسرار الشريعة قبل تكميل ظواهرها ، وكذلك التعرض لأسرار الحقيقة لمن لم يتهذب في ظاهر العلوم ، وهذا ضرر كبير فسد به جملة من الطالبين ومنعوا عن الوصول إلى المطلوب ، وهذا الذي يقال فيه : ظفر ظفرة النظام وتزبب قبل أن يتحصرم ، ( ثم ) على المعلم ( أن ينبهه ) مرة بعد مرة ( على أن مطلب العلوم ) والمقصد من تحصيلها إنما هو ( القرب من اللّه ) تعالى والوصول إليه ( دون الرئاسة ) الظاهرية ( والمباهاة ) والمفاخرة ( والمنافسة ) مع الاقران في مجالس الامراء والكبار ليقال : إنه عالم وإنه مبرّز وإنه فارس الميدان ، ( ويقدم تقبيح ذلك في نفسه ) أي المتعلم ( بأقصى ما يمكن ) ونهاية ما يستطيع بلطف تدبير وحسن احتيال في إيصال ذلك إلى ذهنه إذ النفوس بجبلتها مائلة إلى الرئاسة ومشغوفة بتحصيل الشهرة ، فلا يمكن إخراج ذلك منه إلا بما ذكرنا وهذا هو عين الإرشاد ، ( فليس ما يصلح العالم الفاجر ) وهو الشاق ستر الديانة أو الذي يباشر الأمور على خلاف الشرع والمروءة ( بأكثر مما يفسده ) لأن طلب الرئاسة هلاك في نفسه ، وصاحبها إذا صلح على يده غيره فهو نادر بالنسبة إلى ما يترتب على فساده وإفساده من التداعي إلى الدنيا والجاه ظاهرا أو إلى تركها ظاهرا وحبها باطنا وكلاهما مهلكان ، وقد تقدم شيء من ذلك في كلام المصنف في