تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 551

مساهمون:

ص٥٥١
الأكبر مع المجرمين ناكسي رؤوسهم عند ربهم . وعلى الجملة ، فالفضل والمنة للمعلم ، فانظر كيف انتهى أمر الدين إلى قوم يزعمون أن مقصودهم التقرب إلى اللّه تعالى بما هم فيه من علم الفقه والكلام والتدريس فيهما وفي غيرهما ؟ فإنهم يبذلون المال والجاه ويتحملون أصناف الذل في خدمة السلاطين لاستطلاق الجرايات ولو تركوا ذلك لتركوا ولم يختلف إليهم ، ثم يتوقع المعلم من المتعلم أن يقوم له في كل نائبة وينصر وليه ويعادي عدوه وينتهض حمارا له في حاجاته ومسخرا بين يديه في أوطاره ، فإن قصر في
شرح
والملابس ، وجعل المطاعم والملابس خادما للبدن ، وجعل البدن خادما للنفس ، وجعل النفس خادمة للعلم ، والعلم مخدوم غير خادم ، والمال خادم غير مخدوم ، فمن جعل العلم ذريعة إلى اكتساب المال فقد جعل ما هو مخدوم غير خادم خادما لما هو خادم غير مخدوم اه . ( وذلك ) إذا تأملت ( هو الإنتكاس ) أي السقوط منكوسا ( على أم الرأس ) أي الدماغ ( ومثله ) أي الذي يفعل ذلك ( هو الذي يقوم ) يوم الحشر ( في العرض الأكبر مع المجرمين ) أي المذنبين حالة كونهم ( ناكسي رؤوسهم ) وهو إشارة إلى قول اللّه تعالى :( وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ )[ السجدة : 12 ] قال السمين : أي مميلوها مطرقين بها ذلا وخجلا ، وأصل النكس القلب وهو أن تجعل أعلى رجل الإنسان إلى فوق ورأسه إلى تحت ، فبولغ في وصف المجرمين بذلك ، ويجوز أن يكونوا كذلك حقيقة . ( وعلى الجملة ) مع قطع النظر عن التفصيل ( فالفضل ) الأوفى ( والمنة ) الكبرى ( للمعلم وانظر كيف انتهى أمر الذين يزعمون ) في أنفسهم ( أن مقصدهم التقرب إلى اللّه ) ورفع الدرجات ( بما هم فيه من علم الفقه والكلام ) بالإكباب على كل منهما باختلاف انظارهم ( والتدريس فيهما وفي غيرهما ) كالمنطق والمعاني والبيان ، وربما تجد اشتغالهم بالكلام في بعض البلاد كالمغرب ومصر أكثر من اشتغالهم بالفقه وغيره ، ( فإنهم يبذلون ) أي يصرفون ( المال ) بأنواعه ( والجاه ويتحملون أصناف الذل ) والترمي على الأبواب ( في خدمة السلاطين ) وفي معنى ذلك الأمراء ومن دونهم من ذوي الجاه ( لاستطلاق الجرايات ) لخلوصها على اسمه طلقا من غير مشاركة والجراية بالكسر ما يجري من الرواتب المعلومة على الإنسان من نقد وغلة وغير ذلك ، ( ولو تركوا ذلك ) أي الدخول إلى بيوت الأمراء ( لتركوا ) أي تركهم الناس ( ولم يختلف إليهم ) كما هو مشاهد ، ( ثم ) من البلايا الموقعة في الهلاك أن ( يتوقع المعلم ) أي يرجو الوقوع ( من المتعلم أن يقوم له ) ومعه ( في كل نائبة ) أي واقعة شديدة وقعت له دنيوية ( وينصر ) فيها ( وليه ) الذي يواليه ولو على غير الحق ، ( ويعادي ) فيها ( عدوّه ) ولو على الحق . ( و ) يطلب منه في حالاته كلها أن ( ينتهض ) أي يقوم ( حمارا له ) أي بمنزلة الحمار ( في ) التردد إلى ( حاجاته ) الواقعة ( ومسخرا ) أي مذللا ( بين يديه في أوطاره ) وسائر شؤونه ، ( فإن قصر منه ) وفي بعض النسخ فيه ولو في حاجة واحدة ( ثار عليه ) أبي تمام عليه منكرا ومشددا