إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 549
( الوظيفة الثانية ) : أن يقتدي بصاحب الشرع صلوات اللّه عليه وسلامه ، فلا يطلب على إفادة العلم أجرا ولا يقصد به جزاء ولا شكرا ، بل يعلم لوجه اللّه تعالى وطلبا للتقرب إليه ، ولا يرى لنفسه منّة عليهم ، وإن كانت المنة لازمة عليهم ، بل يرى الفضل لهم إذ هذبوا قلوبهم لأن تتقرب إلى اللّه تعالى بزراعة العلوم فيها ، كالذي يعيرك الأرض لتزرع فيها لنفسك زراعة ، فمنفعتك بها تزيد على منفعة صاحب [ الحجرات : 10 ] قال السمين وفي الآية إشارة إلى الحق وتشاركهم في الصفة المقتضية لذلك . وقال ابن عرفة : الأخوة إذا كانت في غير الولادة كانت المشاركة والاجتماع في الفعل ( داخلون في مقتضى قوله تعالى : ( الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ) [ الزخرف : 67 ] والموجب المقتضي واحد إذ أن مقتضى النص ما لا يدل اللفظ عليه ولا يكون ملفوظا ، لكن يكون من ضرورة اللفظ أعم من أن يكون شرعيا أو عقليا . ونص الذريعة : كما أن من حق أولاد الأب الواحد أن يتحابوا فيتعاضدوا ولا يتباغضوا ، كذلك حق بني المعلم بل بني الدين الواحد أن يكونوا كذلك ، فاخوة الفضيلة فوق أخوة الولادة ، ولذلك قال تعالى : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) وقال تعالى : ( الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ) اه . فهذا أصل العبارة : وزاد المصنف عليه كما ترى . [ ( الوظيفة الثانية ) : أن يقتدي بصاحب الشرع صلوات اللّه عليه وسلامه ] الوظيفة الثانية : من الوظائف السبعة ( أن يقتدي ) المعلم ( بصاحب الشرع صلوات اللّه عليه ) وسلامه في تبليغه وإفادته ( فلا يطلب على إفادة العلم أجرا ) أي عوضا لما ورد في النهي عن أخذ الأجرة على التعليم أحاديث . منها ما أخرجه الحسين بن محمد التفليسي في كتاب الاعداد بسند فيه مجاهيل عن أنس رفعه « ألا أحدثكم عن أجر ثلاثة » فقيل : من هم يا رسول اللّه ؟ قال : « أجر المعلمين والمؤذنين والأئمة حرام » . وقد ذكره ابن الجوزي في الموضوعات ، وسكت عليه الحافظ السيوطي . ( ولا يقصد به جزاء ) يصل إليه من قبل المتعلم وهذا أعم مما قبله ( ولا شكرا ) أي ثناء بلسانه في مقابلة تلك النعمة التي هي الإفادة . وقال الراغب : الجزاء ما فيه الكفاية من المقابلة إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، وفيه إشارة إلى قول اللّه تعالى : ( لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً ) [ الإنسان : 9 ] ( بل يعلم ) وقصده في تعليمه ( لوجه اللّه ) تعالى أي لذاته ( وطلبا ) لمرضاته وحسن مثوبته ، و ( للتقرب إليه ) بهذه الوسيلة العظيمة ( ولا يرى لنفسه ) في نفسه ( منة عليهم ) يمتن بها ، ( وإن كانت المنة لازمة عليهم ) لزوم الأطواق على الأعناق لأنه السبب الأكبر لهدايتهم إلى الحق ، ( بل يرى الفضل ) والمنة ( لهم إذ هدفوا ) أي رموا ( قلوبهم ) إليه بكمال الانقياد ( لأن تتقرب إلى اللّه ) تعالى ( بزراعة العلوم فيها ) أي في تلك القلوب المشبهة بالأراضي ، وأراد بزراعة العلوم وضعها فيها كما توضع الحبة في الأرض ( كالذي يعيرك الأرض ) أي يعطيكها على سبيل العارية ( لتزرع فيها لنفسك ) والأرض له ( زراعة ) تنتفع بها . ولا ريب أن ( منفعتك بها ) أي بالقلوب بوضع